دواء الشاكين وقامع المشككين -20-
ثم قال المصنف مباشرة، ولكن التصور على كل حال يصادف دائما عوائق من بيئته المادية، فهو لذلك لا يبلغ إلا درجة قليلة من الحقيقة حتى تحققه الملاحظة أو التجارب أو الاكتشاف، وحتى في أذهاننا المادية، لا يقيم التصور اعتبارا لفكرة الزمن أو المسافة، فهو يبلغ فورا هدفه، سواء أكان ذلك الهدف كوكبا في السماء أم ولدك الذي في حجرك، ولا بد لنا أن نصل إلى نتيجة، هي أن قوة التصور، متصلة بالقوة الروحانية، فإن كان هناك خلود للروح فهناك أيضا خلود للتصور.
وكلما أدرك الفلاسفة ذلك العنصر إلا على من طبيعة الإنسان، وهو نشاط روحه، واجهتهم صعاب لا تعرض لمن هو أقل منهم تفكيرا.
فهم إن قالوا بخلود الروح، وجدوا من الصعوبة بمكان أن يحددوا مكان هذه الروح الخالدة، فالشخص العادي يتصور أن الجنة مكان، ويفكر فيها على أنها مادية فيها شوارع مرصوفة بالذهب وأبواب مصنوعة من اللؤلؤ، وإذا كانت غاية الروح بعد انطلاقها هي الجنة، فمن الطبيعي أن يسأل المرء (أين الجنة؟ وكم تبعد عنا؟) أما الفيلسوف الذي له نفس يقظة فلا بد أن يخطر بباله أن الجنة ليست مكانا كما يتصوره البشر، ولكنها أجل بكثير من أن ندركها بعقولنا القاصرة، ومثل ذلك يقال في الخلود الذي لا نهاية له. والحقيقة أننا قد نضطر لفقدنا التجارب البشرية التي ترشدنا، أن نحسب أن الجنة يمكن أن تكون الفضاء نفسه.
ومن الطبيعي أن كل إنسان يكره ويخاف أن يكون ساكنا في الفضاء وحده، وقد يخطر ببال العالم حقيقة: هي إذا أرادت روحه أن تصل إلى مكان في الفضاء سواء أكان في جزيرة من جزائر المرجان، أم في سديم بعيد المدى، فان المسافة التي يجب أن تقطعها،سواء أكانت قصيرة أم طويلة، تحتاج إلى زمان، فان أمكن أن يكون سفره على شعاع من أشعة الضوء، فلا بد أن يستغرق ألف سنة ضوئية ليصل إلى شمس قريبة نسبيا من شمسنا، ومن أجل ذلك نقول: إن الإنسان المقيد تقييدا شديدا بصلاته المادية البشرية بالبوصات والأميال وسنوات الضوء والزمان، يخيل له أنه لا يعقل أن توجد سعادة في الفضاء الأبيض الذي لا حد له، ولا في الأبد الذي لا نهاية له.
وهنا يجيء إيحاء التصور الكامل، أننا على الأرض مرتبطون بكل شيء مادي وموثقون بكل تلك المقاييس التي تقدمت الإشارة إليها، وكيفما كان الأمر يجب أن نذكر أن تصورنا، كما تقدم، يتغلب فورا على المسافة وينقلنا إلى أي مكان، ويأتينا بالإلهام الذي يدنينا من الحقيقة، ويفتح أذهاننا لأنواع من الجمال تفوق الواقع، والآراء التي تتولد عن الأفكار يمكن أن تصبح حقائق مادية يدركها غيرنا، كما قد يحلم المهندس المعماري، ونضرب لذلك مثلا، الأهرام وتاج محل، أو ناطحة سحاب حديثة، وإذا صح أن الروح تبصر الأشياء فورا بواسطة التصور الذي بلغ الكمال، والأفكار هي حقائق روحية خالدة، سواء تجسمت في شكل تمثال، أم تحدث بها أصحابها على أنها حقائق تحدث ثورة في الفكر البشري.
والعالم بأحوال الأرض (الجيولوجي) قد يتتبع بتصوره الروحي طبقات الأرض حتى يصل إلى جوفها الذي بلغ حد الذوبان من الحرارة، وما يراه هو العلاقة المحققة بين كل طبقة من الأرض وبين قشرتها، وقد تجلس روح الإنسان مطمئنة على شاطئ تغني لها، وبتصورها الكامل يمكن أن نلاحظ الغازات المنحدرة من الشمس البعيدة، وقد يطوي الزمان فيراها من بداياتها السديمية ويتتبع تطورها حتى تبرد وتصير غير مرئية.
ولو أن روحا خالدة تستطيع أن ترى الأشياء كما هي، فإنها تستطيع أن تكتسب جميع الحواس الدقيقة المختلفة المتفرقة في جميع أنواع المخلوقات الحية، وبذلك تستطيع أن تدخل في ميادين جديدة عجيبة من المعرفة والخبرة والشعور، وحينئذ ترى -إن شاءت- الذرات وهي تكون نفسها جزيئات، والجزيئات وهي تبيد الجراثيم المغيرة، وربما تستمتع بموسيقى جديدة تتولد من اهتزاز الأثير غير المحدود من آلاف نغماتها المتجاوبة، وهناك ألوان هي أجمل وأزهى من أن تقدر على رؤيتها العيون البشرية، وهي تنتظر تطور مقدرتنا على الإدراك الذي يستوعبها، وهنالك أفراح لا نهاية لها تنتظر روح الإنسان بعد أن تتحرر من الجسد.
ولا ندري إلى أي حد تنتهي قوة التصور الكامل للإنسان أن أدرك ذك في الحياة الأخرى، ولا يمكن أن نبحث هاهنا في القيود التي سوف تحمي حقنا المقدس في العزلة الفردية،وإنما نعطي هنا فكرة مجردة، كما لا يمكن أن نصف الجنة التي يتمناها كل فرد، ولكن يمكننا على الأقل أن ندعي أن هناك أجوبة عن مثل هذه المسائل التي يسأل عنها الناس.
إن الروح الخالدة التي لا يستطيع الزمن أن يمنعها، تستطيع أن ترى أحبابها وتضمهم إلى صدرها، ولما كان تصورها قد تكامل الآن تستطيع النفس أن ترى على الحقيقة الحق الأعظم، وهو الخالق سبحانه والجنة حيث أراد هو سبحانه أن تكون.
دعنا نعتقد أن تصورنا سوف يتكامل وأن نعلم علم اليقين أن الصم سوف يسمعون أصوات الجمال وراء أحلام البشر، وأن البكم سوف يتكلمون بكل لغة، وأن العمي سوف يبصرون كل عجيبة من عجائب خلق الله.
وهكذا يستطيع الإنسان بمقدرته الروحانية أن يدرك العظمة الربانية، وبتطوره الروحاني يزداد دنوا من معرفة جلال الله وقدرنه ومجده.
تعليقات:
1) قوله: لا يقيم التصور اعتبارا لفكرة الزمن الخ.. جاء في الخبر أن علي بن أبي طالب كان يضع رجله في الركاب ويقرأ القرآن كله قبل أن تستقل الرجل الأخرى في الركاب الآخر، وقد استشكل هذا بعضهم وأراد آخرون أن يجعلوه من باب خوارق العادات فلم يصب أحد منهما شاكلة الصواب، وإنما ذلك من أسرار التصور، فكل حافظ للقرآن حفظا جيدا يستطيع أن يمر بفكره على القرآن من أوله إلى آخره في لحظة بواسطة التصور الذهني، ولو سألته عن كلمة كزيد مثلا أهي موجودة في القرآن أم لا لاستعرض القرآن أمام تصوره في لمحة واحدة وأجابك بنعم، إن هذا الاسم موجود في القرآن في سورة الأحزاب، في قوله تعالى (فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها) أما الذي لا يحفظ القرآن فلا يمكن أن يجيب عن هذا السؤال حتى يقرأ القرآن من أوله إلى آخره ولا يتم له ذلك إلا في أيام كثيرة، وكذلك إذا كان ضعيف الحفظ، ولما كنت في جامعة بون مدرسا وطالبا سنة 1936 اقترح رئيس القسم الشرقي في الجامعة الأستاذ باول. كالي أن أترجم معه كتاب البلدان في الجغرافية العالمية لمحمد ابن الفقيه البغدادي المتوفى في أواخر القرن الثالث الهجري فأخذنا في الترجمة وقال لي أتحفظ القرآن قلت: نعم، قال: إذا جاء شيء من القرآن في أثناء الكتاب فأخبرني به.
فصرت كلما ذكر المصنف شيئا من آيات القرآن أخبر به فيقول: هل تستطيع أن تجد ذلك في المصحف إذا جئتك به، فأقول: نعم، فآخذ المصحف وأوقفه على الآية في الحين فيقهقه ضاحكا إعجابا واستغرابا، ومن كلام الحافظ ابن حجر العسقلاني في شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية قوله: " لقد جعل الله الأحاديث كلها لابن تيمية نصب عينيه يأخذ منها ما يشاء ويدع منها ما يشاء". وقال فيه أيضا: " كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث " . فقوة التصور وسعة الخيال من أسرار الروح العجيبة كما قال المؤلف، وتقدم قوله، إن ما يراه النائم في منامه راجع إلى التصور والخيال واستمرار التفكر في وقت النوم، إلا أن سلطان الروح عند النوم يكون أقوى منه في اليقظة، فلذلك تتجسد الخيالات والأفكار وترى ببصر البصيرة،وليس كل ما يراه النائم من بنات فكره، فهناك أمور يلقيها الله تعالى إليه ويريه إياها لا حيلة له في إدراكها بالفكر، ومنها الأمور المغيبة التي يراها النائم فتقع كما يراها، وهذا شيء محقق ثابت متواتر عند الناس لا يمتري فيه إلا المادي الجاهل الذي انحصر علمه فيما يدرك بالحواس الخمس كالعجموات، وقد قسم النبي (صلى الله عليه و سلم ) الرؤيا إلى ثلاثة أقسام: تبشير، وهو من الله سبحانه، وتحزين، وهو من الشيطان، والقسم الثالث، ما يحدث الإنسان به نفسه في اليقظة، هذا معنى حديث رواه أبو داود في سننه، وقوله، ما يحدث الإنسان به نفسه في اليقظة، هو الذي عبر عنه المؤلف باستمرار الفكر في حالة النوم، ولكن لا ينحصر ما يراه الإنسان في منامه في أفكاره، بل هناك أمور أخرى يريه الله إياها تبشيرا أو إنذارا، وأمور يلقيها الشيطان تخويفا وتحزينا، وفتنة وإضلالا، وقد علمنا النبي (صلى الله عليه و سلم) وهو طبيب القلوب والأرواح علاجا ناجعا يقينا شر الأحلام ويعرفنا بما ينفعنا من رؤيا المنام، فمن ذلك الحديث المتقدم الذكر، ومنه أنه عليه السلام قال: إذا رأى أحدكم ما يكره فلينفث عن يساره ثلاثا ثم يقول: اللهم إني أعوذ بك من شر ما رأيت أن يضرني في ديني ودنياي، ولا يقص ما رأى على أحد فإنه لا يضره، وأمرنا إذا رأينا رؤيا صالحة أن لا نقصها على جاهل أو مبغض لنا، والحكمة في ذلك والله أعلم، أن الجاهل يفسرها ويخطئ في تفسيرها فيضر من حيث أراد أن ينفع، وأما المبغض فانه يؤولها تأويلا سيئا على عمد ليسوءنا ويحزننا، فإذا سمعنا منه ذلك توقعنا شرا وصرنا نرتقبه حتى إذا أصابنا شيء من مصائب الدنيا، وهي كثيرة، قلنا هذا هو الذي أخبرنا به فلان، على أن توقع الشر في حد ذاته شر كبير، ومن أجل ذلك نهانا رسول الله (صلى الله عليه و سلم) عن إتيان الكهان والعرافين، ففي الحديث : "من أتى عرافا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد (صلى الله عليه و سلم) " ، وفي حديث آخر :" لم تقبل له صلاة أربعين يوما " ، وقال النبي (صلى الله عليه و سلم): "ليس منا من تطير أو تطير له أو تكهن، أو تكهن له " ، وقال رسول الله (صلى الله عليه و سلم): " الطيرة شرك " ، والطيرة هي التشاؤم برؤية الأشخاص أو بعض أنواع الحيوان كالغراب والكلب الأسود أو بما يسمعه الإنسان من الكلام، أو بالأيام والشهور وغير ذلك مما هو كثير ومشهور، يفتك بعقول الشعوب التي فشا فيها الجهل، ومن ذلك ما سمعته من أهل تطوان أن كثيرا من جهالهم لا يشترون مكنسة في شهر صفر ويعتقدون أن من أدخلها بيته في ذلك الشهر تكنس أهله وماله، وأخبرني البشير بن محمد وهو أغنى رجل في مدينة المشرية بالجزائر أن له عبدا أسود تركه له أبوه وهو مشئوم جدا في اعتقاده كلما رآه في الصباح وكان أول من رآه من أهل بيته تصبه مصيبة في ذلك اليوم، قال فأنا لذلك إذا قمت من النوم صباحا أخرج مغمض العينين ولا أفتحهما إلا إذا سمعت صوتا غير صوته، فان سمعته هو لم افتح عيني حتى ألقى غيره فافتحهما عليه، ثم بعد ذلك لا تضرني رؤيته إذا رأيته، ولا يتسع المقام لذكر ما يقع لناس من هذا القبيل، ولا نجاة للناس من شرور الأوهام والخيالات والوساوس إلا بمعرفة سنة النبي والتمسك بها، ثم ذكرت الآن حكاية ترجح عندي ذكرها ولو أفضت إلى التطويل والملل لما فيها من الفائدة لبعض القراء على الأقل، توجد ناحية في بغداد اسمها الوزيرية فيها السفارة المغربية وغيرها من السفارات، ويقال أنها أرض مغضوبة ومشئومة، بنى فيها أحد إخواننا قصرا أنفق على بنائه مالا كثيرا ثم انتقل إليه هو ووالداه وإخوته وأهل بيته فأصيب بالأمراض وغيرها من المصائب وتشاءموا بسكناهم في الوزيرية فجاءني وشكا إلي ذلك، فقلت له: هذا من الوساوس والطيرة وهي شرك وعلمته دعاء علمنا إياه رسول الله (صلى الله عليه و سلم) وأمرنا أن ندعو به إذا وقع في أنفسنا شيء من التطير وهو: " اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا اله غيرك ". فتعلمه وعلمه أهل بيته وصاروا يدعون به، فبعد شهرين جاءني واخبرني أنهم استقروا واطمأنوا وشفاهم الله وذهب ما كانوا يجدونه في أنفسهم.
2) قوله في الروح والجنة الخ.. قال الله تعالى:{ ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا } ، وما أضل المفكرين الا أنهم يقيسون كل ما لا يعلمونه على ما يعلمونه كأن العلم منحصر في ما وصلوا إليه: ولو وصف شخص الكهرباء وأعمالها والإذاعة فضلا عن القنابل الذرية والصواريخ والقمار الصناعية التي تسبح في الفضاء الخارجي، بل مركبات الفضاء التي يدور بها الراكب على الكرة الأرضية فيرى الشمس في شروقها وغروبها في كل تسعين دقيقة، لو أخبر بذلك شخص قبل هذا الزمن لرجمه الناس بالحجارة أو أدخلوه إلى مستشفى الأمراض العقلية، مع أن هذه أمور وقعت في عالمنا هذا.
وقل لمن يدعي بالعلم معرفة ** علمت شيئا وغابت عنك أشياء
والتكذيب سهل لأنه جهل، ومن كان مرتبطا بالأرض والشمس لا يستطيع أن يفكر إلا تفكيرا موثقا مقيدا بالمكان والزمان، كيف يستطيع أن يحكم بجهله على عالم آخر ليس مقيدا بما يقيد به هو، لا جرم أن من فعل ذلك سد على نفسه باب العلم والمعرفة وبقي مسجونا في ظلمات جهله.
3) قوله "الأهرام وتاج محل وناطحة سحاب حديثة" : الأهرام من آثار الفراعنة، وقد عجز من بعدهم من الدول عن هدمها فكيف ببنائها. وتاج محل قصر من آثار ملوك المغول في الهند بلغ الغاية في الجمال الفني والإتقان يزوره الناس من البلدان البعيدة، وناطحة سحاب القصور العصرية الشامخة في أمريكا.