قــال المصنف في الفصل نفسه، إن الإنسان الأول كان يحب الزمان كالإيقاع، كالضرب المنظم على طبل. وقد رفعه التوقيت في رقصه فوق مستوى الغريزة. والانسجام التام في النغمات الموسيقية يوصلنا إلى التلذذ العجيب الذي يهز مشاعرنا بالقطع الموسيقية المتناسقة في النغمات والأصوات التي يقوم بها الجوق (الأوركسترا). إن الاهتزازات الموجودة في وحدة النغم في لحظات من الوقت، لا تعتبر موسيقى إلا عند الإنسان وحده. وقد جاءت المدنية للإنسان بضرورة الضبط والتدقيق في قياس الزمان وتسجيله. وكذلك الفصول المتتالية التي يدل عليها ظهور الشمس في أقصى الشمال وجنوب خط الاستواء أدت إلى تكوين دوائر برويد وبناء الأهرام، وغير ذلك من علامات الوقت في العالم. وكان ظهور الشمس أو ظلها فوق هذه الأشياء عند علامة معينة سرا مكتوما عند القسيس فهو الذي يخبر بعدد الأيام التي تحسب حتى يجيء وقت الغرس، أو فيضان النيل. أما الآن فإن التقاويم، وإن لم تبلغ الكمال تعلق في كل بيت، وبها نميز الأيام ونعرف الأوقات. وفوق ذلك صرنا نسجل الساعات والدقائق والثواني، بل نسجل جزءا من الألف من الثانية. وكلما تقدمنا في ضبط الوقت زادت حاجتنا إلى معرفة الكيمياء، والطبيعيات، والمعادن، ودرجات الحرارة، وعلم الفلك، ومن أهم ما يجب علينا تعلمه، الرياضيات. ونحن نحسب جدول زمان الكواكب والأقمار والمذنبات ونعتمد على معرفتنا بالوقت فيما يحدث في حركاتها في المستقبل، ونحدد الساعة والدقيقة لكسوف الشمس وخسوف القمر، في الماضي والحاضر ونحن نعرف سرعة الضوء ونحددها بالثانية ونعرف طبائع الأجرام السماوية التي يظهر لنا انتظامها من سيرها المتواصل الدقيق البديع في الآماد الطويلة. إن التطور قد بلغ بالموجودات الحية إلى الاتفاق التقريبي مع بيئتها، إلا أنه من الجهة النظرية على الأقل لا يمكن أن يزيد على ذلك. وتقدم الإنسان فيما وراء ضروريات الحياة قد خرج به عن الحدود التي يظهر لنا أن التطور الطبيعي وضعها على حدة. وأن الإنسان باقترابه من المعرفة التامة بالزمان ليقترب أيضا من المعرفة بقوانين العالم الأبدية، بذلك كله يقترب من معرفة الخالق سبحانه. وإذا لم توجد في بعض نواحي العالم مخلوقات عاقلة، فإن الإنسان وحده يختص بمعرفة الزمان، وسيطرته على معرفة الزمان تدنيه من شيء هو أعظم من المادة. فمن أين تجيء هذه الوثبة العظيمة التي يثبها الإنسان بعيدا عن الفوضى، وعن جميع التركيبات المادية، وعن جميع المخلوقات الحية الأخرى؟ لا بد أن تجيء من شيء أعلى وأجل، ولن تجيء من المصادفة.
(الفصل الرابع عشر( االتصور الكامل دعنا نترك العلم مليا من الزمان ونرجع إلى تصورنا. يمكن أن نقدر أن جميع الحيوانات ترى الحقائق والحوادث، والأشياء المادية، كما هي، وأن رد الفعل العقلي عندها مباشر. فرد الفعل عندها يظهر في سعيها في تحصيل قوتها، وفي هربها من أعدائها، وفي اختفائها عند خوفها من الخطر، وفي طلبها للراحة في مكان تأمن فيه. ومن الممكن أن بعض أنواع الحيوان المتقدمة، كالكلاب مثلا تحلم في نومها، والحلم بالطبع نوع من التصور، لا يستطيع الحالم أن يسيطر عليه. إن التصور من أعظم المقدرات والكفاءة العقلية التي وهبها الإنسان. فبالتصور يستطيع الإنسان فورا أن يسافر حيث يشاء. والخطيب يستطيع أن يرحل بالمستعين له إلى أي أفق يريد. فإذا وصف في تصويره لمستمعيه إحدى جزائر المرجان من بلاد الهند الشرقية، يرى بتخيله تلك الجزيرة. ومستمعوه أيضا يرون بعقولهم سلسلة صخور مرجانية تحيط بها ويرون الشاطئ المرجاني، ويرون تغيرات لون المحيط، والسماء التي تظلها، والريح تعبث بسعف النخيل، وجزيرة في الوسط مكسوة حلة جميلة من نبات الأراضي الحار. ويمكنه أن يصف لهم ماء البحيرة الصافي الأزرق كزرقة السماء، وجلاء المرءاة، وإذا صار به الفكر إلى أبعد من ذلك، يرى المستمعون له أعماق تلك البحيرة. ويمكن ذلك الخطيب أن ينقل المستمعين له من ذلك المنظر الاستوائي فورا إلى نهر جليدي بجريانه البطيء وألوانه من أزرق وأخضر وأبيض، ويسترعي أفكارهم إلى جبل قد توج الثلج قمته يظهر مرتفعا وراء ذلك النهر ساطعا بأشعة الشمس في لون وردي بهي. وإذا كنت تستمع إلى ذلك الخطيب يمكن أن يحملك إلى كوكب بعيد، ويكاد يحمل إلى أذنيك تصادم العناصر المتطايرة، ويكاد يشعرك ويريك فيض الضوء والحرارة، وهما يسرعان لإعطاء الدفء والحياة وإيصالهما إلى الأرض، وليرى سكان الأرض صورة رائعة البهاء للهلال يشرق نوره في ظلمة غابة خضراء. ويقدر ذلك الخطيب أن يصور لذهنك ليس فقط ما يحيط بك، بل الصورة نفسها التي تتخيلها لزوجتك وأولادك في حركاتهم وأعمالهم في تلك اللحظة. وهنا يعوزك التصور. فيعتريه النقص وتكون الصورة الحقيقة، بلا شك ليست هي التي تخيلتها، بل غيرها. وقوة التصور هذه في الطفل ينبوع سعادة عظيمة فهو يستعملها كما يشاء في اللعب، وإذا أردت أن تعرف ذلك فلاحظ الأطفال في لعبهم لترى ما يعتقدون في أنفسهم فالصبي الذي يحمل على كتفه بندقية من الخشب، قد يعتقد اعتقادا تاما أنه جندي حقيقة. إن التعليم والتجربة والبيئة والمهارة، كل هذه قد تصير الخيال قطعة فنية رائعة من الطراز الأعلى، سواء أكانت قطعة من الموسيقى السمفونية، أم لوحة رسم، أم آلة ميكانيكية دقيقة الصنع. والآراء إنما هي بنات التصور فهي حينئد أساس العبقرية. وأعظم نتائج العقل الانساني، كالاختراعات، والآلات الميكانيكية، واستنباط أفكارنا الرائع في الرياضيات العليا، هو التحقيق النهائي لآراء ناشئة عن التصور.
توضيحات وتعليقات - 1 قوله: ( وكان ظهور الشمس إلخ ). لاشك أن العلم كله، سواء أكان علم معاش أو علم دين أو أدب وفلسفة كان محتكرا عند رجال المعابد والكنائس في الزمان القديم. وبذلك تنحصر السيطرة في الحكام والسحرة والكهان، ويبقى سائر الناس عبيدا لهم مسخرين لخدمتهم بسبب جهلهم، فإذا كان الفلاح لا يكتب ولا يحسب ولا يقرأ يكون مضطرا في شؤون زراعته وصحته ودينه إلى الساحر أوالكاهن، فهو الذي يعين له أوقات المزروعات وأوقات حصادها، وأوقات غرس الأشجار وإيراقها فأزهارها فأثمارها. وهو الذي يعالجه إذا مرض مرضا حقيقيا أو وهميا بالرقى والتمائم ويحصنه من عين العيان وأذى الإنسان والجان. وهذا الساحر أو الكاهن يفرض على الفلاح والعامل أن لا يعمل شيئا حتى يستشيره فيخبره بعواقب الأمور. ويوهمه أن كل حركة يتحركها بدون إرشاده هي حركة طائشة توقعه في الهلكة. وهؤلاء الكهان يحرمون التعلم والمعرفة على رعاياهم، لأنهم يعلمون أن كل من تعلم من هؤلاء المساكين يتحرر عقله وفكره ويخرج من السجن والأسر، وفي ذلك القضاء المبرم على سلطان الطبقة الحاكمة بأمرها، وهي الحكام والسحرة ومن في معناهم من المنجمين والمتظاهرين بالدين لنيل مآربهم الخسيسة. وأعظم محرر للعقول وداع إلى التسوية بين جميع البشر وجعل العلم مشاعا بين جميع الناس وجعل الدين لله والحكم لله والسيادة له وحده ولا شريك له، هو محمد رسول الله الذي جاء بالعلم والنور والهدى لجميع البشر على اختلاف أجناسهم وألوانهم. قال الله تعالى في سورة سبأ (28) (وماأرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون) وفي الحديث الصحيح أن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال وهو يعدد الخصائص التي خصه الله بها. وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة. وعن أبي موسى الأشعري قال، قال النبي (صلى الله عليه و سلم : " مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكانت منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان، لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به. رواه البخاري ومسلم. نفهم من هذا الحديث أمورا، أحدهما أن الشيء الذي بعث الله به محمدا (صلى الله عليه و سلم) هو الهدى والعلم، فالهدى الإرشاد، والعلم قسمان، علم دين وهو عقائد وعبادات ومعاملات تدخل تحت أحكام الشريعة وأخلاق وآداب تسمو بالإنسان إلى الكمال. وعلم معاش وهو كل ما يرفع شأن الإنسان ويحسن معيشته، وأنواعه كثيرة. وقد يعارض بعض الناس في داخل الإسلام وخارجه، في دخول هذا القسم الثاني في مسمى العلم الذي جاء به الرسول. ولو تأملوا لوجدوا أنفسهم مخطئين، فقد أخذ النبي (صلى الله عليه و سلم) بعض علوم الحرب عن سلمان الفارسي لما أشار عليه بحفر الخندق فحفره هو وأصحابه وعمل فيه بيده، وأمر الناس بالتداوي فقال تداووا يا عباد الله، فإن الله ما أنزل داء إلا أنزل لها دواء علمه من علمه وجهله من جهله. وهو يتضمن الحث على تعلم الطب. وكان عليه السلام هو نفسه طبيبا، يصف الأدوية والحمية للمرضى. وأمر بتعلم الرمي وركوب الخيل وقال من تعلم الرمي ثم تركه فليس منا. وقال تعالى في حق داوود (وعلمناه صنعة لبوس لكم ليحصنكم من بأسكم) وهم النبي صلى الله عليه و سلم بالنهي عن المغالبة، وهي مباشرة المرأة المرضع مخافة أن تحمل فيتضرر رضيعها، فلما علم أن أهل فارس والروم لا ينهون عن ذلك ترك النهي. وفي ذلك حث لأمته على تعلم علوم الصحة إلى غير ذلك من الأدلة التي لا تحصى. وثانيها تشبيهه عليه الصلاة والسلام العلم الذي جاء به بالمطر والناس بأنواع الأرض فمن كان منهم عالما ومعلما فهو كالأرض التي تنبت ما ينفع الناس من ثمرات وحبوب ومراع مخصبة والحياض التي تمسك الماء على الناس لشربهم وسقيهم وشبه الجاهلين المعرضين عن التعلم بالأراضي الصلبة التي لا تمسك ماء ولا تنبت نباتا. وأخبر أن الجاهلين المحرومين الذين لا خير فيهم هم الذين لا يتعلمون ولا يعلمون ولا يهتمون بالعلم. وثالثها حصره الخير في من تفقه وعلم وعلّم. وقد جاء ذلك صريحا في حديث، والعالم والمتعلم شريكان في الخير ولا خير في سائر الناس. وأمر أمته بطلب العلم ولو في الصين([1])، فحطم بذلك القيود التي كانت تحول بين العامة وبين العلم. ومن درس التاريخ العالمي بإمعان وتبصر وكان سالما من العصبية علم يقينا أن أعظم رجل حارب احتكار العلم ونظام الطبقات هو محمد رسول الله صلى الله عليه و سلم ومن دواعي الأسف أن المنتسبين إلى الإسلام بعدما تركوا القرآن والسنة رجعوا إلى الجاهلية وصاروا يحتكرون العلم والمعرفة وراجت سوق الكهانة والسحر والأكل بالدين بينهم، فقد أخبرني رجل في فاس أن زوجته أصيبت بمرض لازمها بضع سنين فذهب إلى إمام جامع كبير فشكى له ذلك فأمره بذبح دجاجة حمراء وطبخ لحمها بلا ملح ودفنه تحت شجرة عينها له خارج باب الفتوح، ففعل، الرجل ما أمره به، وطبعا بقيت امرأته مريضة كما كانت، فانظر إلى هذه الجناية العظيمة التي ارتكبها هذا الإمام، وما أكثر أمثاله، ففيها تضييع الطعام، وإفساد العقيدة بإيقاع الناس في عبادة الجن، وصرف هذا الرجل المسكين عن الصراط السوي الذي أمر به رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو التداوي. وشكا إليَّ رجل مغربي أن زوجته لا تلد مع أنها موافقة له، وهو يحبها حبا جما ولا يستطيع أن يكدرها، إلا أنه مضى عليها عنده عشرون عاما ولم تحمل. قال وقد طفت على أضرحة الأولياء في جميع أنحاء المغرب فما جاء الله بشيء، هذا لفظه، فقلت له إنك لم تقصد الله تعالى، ولو قصدته ما خيبك، وعلى ذلك فقد بقي لك ولي لم تقصده بعد، فقال لي لا يستطيع أحد أن يذكر لي وليا لم أقصده في المغرب كله، فقلت له أنا أذكر لك واحدا، فقال وما هو فقلت طبيب النساء خسوس الاسباني، وليس بعيدا منك إنه في طنجة. فقال لي الله يا فقيه. تسمي هذا ولي الله؟ فقلت أنا ما سميته ولي الله وإنما سميته وليا فقط، هو الذي ينفعك الله على يده، لأنه طبيب، وقد أمرنا نبينا صلى الله عليه و سلم بإتيان الأطباء لعلاج الأمراض، ولم يأمرنا بإتيان الأضرحة والالتجاء إلى أصحاب القبور. وقد أخبر علماء الصحة أنهم بعد الاستقراء التام، لم يجدوا امرأة ولدت عاقرا من بطن أمها. قالوا فالعقم إنما يطرأ على المرأة بسبب الأمراض والعاهات، بخلاف الرجال، فإن منهم من يولد عقيما. فالتمس مني عنوان الطبيب المذكور فكتبته له، فذهب إليه فعالج زوجته فحملت. وسافرت أنا إلى العراق فلما رجعت في صيف سنة (1959) وزرت تلك المدينة جاءني الرجل المذكور ومعه صبي ابن بضع عشرة سنة فقال لي هذا ولدي الذي رزقني الله بسبب إرشادك وسلم علي الغلام، فقلت له يا بني، إن والدك جنى عليك بطلبه الأولاد من الأموات وتركه الطريق الصحيح وهو العلاج. ولو أن والدك قصد الطبيب من أول الأمر لكان عمرك الآن بضعا وثلاثين سنة ولكان لك إخوة وأخوات، فضحك أبوه والحاضرون. وهذا الداء الفتاك وهو طلب الحاجيات من السحرة والكهان وأصحاب القبور لا يزال يفتك بهذا الشعب لكثرة سببه وهو الجهل. فتذهب أديانهم وعقولهم وأعراضهم وأموالهم، وذلك هو الخسران المبين. ولا يزال الدجاجلة يسرحون ويمرحون ويبتزون الأموال ويعيشون عيشة الترف بالشعوذة والدجل، وأنواع الحيل. ولا منقذ لهم من هذا الشقاء إلا الله ثم العلم النافع. ولا يمكن أن يوجد هذا العلم النافع إلا بالرجوع إلى رفع راية القرآن وما جاء به محمد رسول الله من البيان ويسير ذلك جنبا إلى جنب مع علم اللغات والعلوم العصرية التي لا يقوم دين ولا دنيا إلا بها. ومن طلب علم الدين وسار في طلبه على صراط مستقيم فإن علوم الدنيا تأتيه مطيعة منقادة وتخطب وده، بخلاف من عكس فإن أمره ينعكس وينتكس، وإذا شيك فلن ينتقش، كما في الحديث، ومعناه إذا أصابته شوكة فلن يقدر على إخراجها بمنقاش. 2 - قوله: ( وإذا لم توجد في بعض نواحي العالم إلخ ). يشير بذلك إلى احتمال وجود خلق عاقلين في بعض الكواكب كالمريخ مثلا، وما يعلم جنود ربك إلا هو. وقد استطاع الإنسان اليوم أن يخترق هذا الغلاف الجوي الذي خلقه الله ليحفظ به الأرض وما عليها من التلاشي والاضمحلال. والإنسان الآن يطمع في أكثر من ذلك، وهو الاتصال بالكواكب الأخرى، ولا يعلم ما يأتي به الغد إلا الله.