دواء الشاكين وقامع المشككين -18- الزمان الكلام في الزمان وما أودع الله فيه من الأسرار،هو الفصل الثالث عشر من كتاب(ليس الزمان مهملا) قال مؤلفه: إن العلم التام بوجود الزمان خاص بحياة الحيوان.والإنسان وحده هو الذي يقيسه ويوزعه.والعناصر التي تتألف منها الأشياء كلها من النادر أن تتغير على مر الزمان. وقد تتألف العناصر الكيمائية أو تتفرق،غير أن الزمان وإن كان ضروريا لإنجاز تغير كيميائي، فلا أهمية له بالنسبة للذرات. ومع ذلك نرى عصا من الديناميت تتحول من مادة صلبة إلى غاز في جزء من خمسة وعشرين ألف جزء من الثانية،ولكن الذرات لا تتغير. يمكن أن يرتفع جبل من مكانه ثم يتفتت ويصير هباء منثورا،ولكن الذرة المحبوسة في قلبه لا تنتظر بقلق الوقت الذي تتحل فيه الصخرة لتخرج من سجنها وتصير حرة،ولو أن الكتروناتها تدور كالمغزل في أفلاكها على الدوام.إن كامرتك تلتقط الصورة في جزء من مائة جزء من الثانية باهتزاز قدره ألف وثمانمائة ميل في الأثير الفضائي لإحداث التغير الكيمائي. وهكذا تسجل الأفلام بالألوان كل ما في المنظر من جمال.فالذرات تهتز ويعاد تنظيمها ولكنها لاتتغير. ويظهر أن الأشياء الحية تقيس الزمن،غير أن الجمادات الخالية من الحياة هي التي تسجله.إن مياه الأنهار الجليدية التي سالت بعد ما ذابت في العصر الجليدي قد تركت طبقات من الصلصال تدل على كل سنة مضت على مراتب درجات الحرارة التي كانت سائدة في ذلك الزمان،وكذلك الطبقات الكلسية التي تتكون في سقوف الكهف. والطبقات التي تعلو أرضها من الرواسب بأشكال مخروطية تفعل مثل ذلك لمائة ألف سنة وأكثر،ولكنها لا تدري ماذا صنعت. إن الراديوم والرصاص تتغير نسبهما في الصخور الصم فتخبر بمليون من السنين منذ استقرار الأرض،ولا تفكر في الماضي أصلا.ولا تستطيع الكائنات الحية أن تدرك كنه الزمان،لأن الحياة لها غايتها،والفرد وجوده ينتهي وينقضي قبل انقضائها،وليس هنالك كائن حي في حالته الطبيعية يستطيع أن يقيس الزمان في وعي وانتباه،ولكن الزمان يأتي على جميع الكائنات الحية ويسود تقلباتها وأعمالها من الولادة إلى الوفاة. وقد انكشف أن هناك شيئا يسمى الزمان البيولوجي(أي الخاص بعلم الأحياء).ويظهر أن الزمان بالنسبة للصبيان يسير ببطء.أما بالنسبة للطاعنين في السن فيظهر أنه يسير بسرعة عظيمة.وهذه الظاهرة المعروفة قد وجد أنها مرتكزة على دورة حياة الخلايا.ويمكن أن يعبر عن ذلك بأيسر طريق فيقال،إن خلايا كل مخلوق حي تتطور بسرعة في ابتداء الحياة،ثم تأخذ في البطء كل ما دنت من نهايتها. وإذا تكلمنا على ذلك من وجهة علم الأحياء نقول: إن كثرة حوادث الخلايا التي تقع في الطفولة تجعل الطفل يشعر بطول الزمان كالمسجون على حين أن بطء عمل الخلايا في الكبير،يشعر المسن أن الزمان يجري بسرعة.ويظهر أن دورة الحياة لا علاقة لها بالزمان المطلق الذي نقيسه بحركات الأجرام السماوية.فالمكروب يتوالد ويتكاثر في ساعة واحدة.أما الإنسان فلا يتناسل إلا في سنين عديدة. وذبابة مايو لا تستطيع أن تقيس الزمان تحت الماء.لكن كل جيل من نسلها يعيش في حياة سعيدة تحت الشمس.هل يمكن أن يكون العلماء على صواب في قولهم،إننا إذا صرنا إلى دار الخلود سنقيس الزمان بالحوادث،لا بالفلك؟ والأسماك في البحر لها وقتها الذي تضع فيه بيضها،ولكنها في ذلك إنما تطيع قانون الطبيعة،ولا تعرف لماذا ذلك.والزرع والحصاد لهما وقتهما،وقد تحصد مساحات شاسعات من الزرع،أي يحين وقت حصادها في يوم واحد.أما الأشجار فلا تثمر إلا بعد مضي سنين عديدة على غرسها.وحلقاتها السنوية تسجل أعمارها. وقد وجد أن بعض الصراصير تصر مرات معلومة طبقا لدرجات الحرارة،وقد أحصيت مرات صريرها بدقة،فوجد أنها تسجل درجات الحرارة مع فرق درجتين.وقد روقب صرصور لمدة ثمانية عشر يوما فوجد انه يبدأ أغنية حبه أو فرحه كل يوم قبل الساعة الأصلية بخمس دقائق. وهناك نوع من البط في قناة بأوربا يجيء بانتظام إلى جسر لأجل الغذاء كل يوم في ساعة معينة ويضرب جرسا قد أعد له. والطير لها وقتها الذي تطير فيه من الشمال إلى الجنوب،وكل فرد منها يلتحق بسربه في الوقت المعلوم،ثم تطير كل سنة في يوم يكاد يكون محددا معلوما. وذباب مايو يخرج من البحيرات فيطير طيران العرس،وتسقط منه ملايين ميتة في الشوارع في اليوم نفسه. والجراد البالغ من العمر سبع عشرة سنة في(نيو انكلاند) يعيش في غيران تحت الأرض ،حيث يقيم في الظلام مع تغير قليل في الحرارة،ويظهر بملايين في شهر مايو من سنته السابعة عشرة،وقد يتخلف بعض المتعثر منه عن سائره بالطبع،ولكن أكثره يتم نموه في تلك السنوات المظلمة،ويضبط يوم ظهوره بدون سابقة ترشده إلى ذلك. ودودة البوصة تدب بانتظام عظيم من مكان إلى آخر،ولو استطاعت أن تعد لأمكنها أن تقيس الوقت والمسافة بعدد قفزاتها. ولكن لا حاجة بها إلى أن تقيسهما.فلا تضحك من قفزتها،لأننا معشر البشر نقيس المسافة بالقدم،(وإنما نسبت إلى البوصة لأن كل قفزة من قفزاتها بقدر بوصة). كل حي على العموم يراقب الزمان ويسجله بالعمل،ولكنه لا يبدي دليلا على توقيت واع،ويظهر أن الفصول الأربعة،ودرجة الحرارة،والنهار والليل،والمد الفائض،كلها ضوابط لاطراد الحياة،وقد أوجد التطور عادات لقياس الوقت بغير شعور،وهي تعمل بطريقة أوتوماتكية كنبضات القلب والهضم. وكثير من الناس يعتاد أن يستيقظ في ذلك الوقت بالضبط بدون ساعة منبهة،وسواء أنام في الوقت أم بعده . وقد أضاف الإنسان الزمان إلى المادة التي لازمان لها.والزمان لا يمكن وزنه ولا تحليله. فهو بالنسبة إلينا يتعلق بهذه الأرض وحدها؛ ومقاييسنا للزمان يمكن أن لا يكون لها تعلق بالعالم في مجموعة،ولكن الزمان يملي علينا دوافع بدون شعور منا،وقد بلغت هذه الدوافع في القوة إلى حد أنها تتحكم في كل كائن حي.والإنسان من حيث هو حيوان ليس له شعور خاص بالزمان،ولكنه يستطيع أن يضبط إلى حد محدود أثر الزمان في دوافعه. فالإنسان البدائي لا يستطيع أن يخبركم كم عاش من الزمان إلا بمقارنة الحوادث. فالأعداد بالنسبة إليه تدل على قليل أو كثير لا يميز بينهما. أما الإنسان العصري فقد ينسى مثلا أيام ذكرياته السنوية،ولكن زوجته لا تنساها،فهل المرأة مرتقية أكثر من الرجل أم تطالع التقاويم خفية؟لا هو ولا هي يستطيعان أن يحددا اليوم الرابع والعشرين من مايو بعد سبع عشرة سنة كما يفعل الجراد في الظلام. تعليقات: 1)قوله :"إن الزمان لا أهمية له بالنسبة إلى العناصر،وهي الذرات التي تتألف منها الأشياء " ،هذا مبني على رأي الفلاسفة وغيرهم من العلماء الذين يقولون،إن المادة لا تفنى وإنما تتحلل لتتركب من جديد وتكون شيئا آخر. وكان أبو العلاء المعري على هذا الرأي، وقد صرح بذلك في قصيدته الدالية التي يقول فيها: صاح هذي قبورنا تملا الأر ** ض فأين القبور من عهد عاد خفف الوطء ما أظن أديم الأر ** ض إلا من هذه الأجساد وقبيح بنا وان قدم العهد ** هواذ الآباء و الأجداد وتسمى المادة التي أشار إليها المصنف عند فلاسفة العرب:الهيولي.فكل مركب عندهم إذا تحلل يعود إلى هيولاه .فالذي يتغير إنما هو المركبات بصورها وأشكالها،وأما الهيولي فلا تتغير أبدا. 2)ضرب المصنف المثل بعصا الديناميت،وبين أن عصا الديناميت إذا انفجرت تتحلل وتعود إلى عناصرها الأولى في لحظة قصيرة جدا لا تزيد على جزء من خمسة وعشرين ألفا من الثانية التي هي جزء من ستين جزءا من الدقيقة.فتعلق الزمان بتعلق المادة وانتقالها من التصلب إلى الهباء،إنما بين الجزء الذي يقع فيه التحول من شكل العصا وتصلبها الى حالة الهباء،والزمن لم يؤثر شيئا في ذلك التحول،وإنما هو ظرف له. وقد يقال في بادئ الرأي،إن الزمان فيما يظهر يؤثر في أجسام الحيوان،إذ بمروره تفنى تلك الأجسام وتتحلل. قال الشاعر المغربي. أفنى الشباب تقلب الشمس وطلوعها بيضاء صافية وغروبها صفراء كالورس فنسب الشاعر إفناء الأجسام إلى الزمان،ولكن علماء اللغة يجعلون هذا من المجاز العقلي،وهو إسناد الفعل أو ما شابهه إلى غير ما هو له ،لأن تقلب الشمس ليس هو الذي أفنى الشباب في الحقيقة،وكلام شعراء العرب في هذا المعنى كثير. 3)ثم ضرب المثل بالجبل والذرات التي تتألف منها الصخور،وأخبر أنها لا تشعر بسجن في وقت تركيبها في صخرتها ولا بحرية في وقت تفتت الجبل. والكتروناتها تدور في أفلاكها كما تدور الأجرام السماوية. فالزمان عندها سواء في وقت التركيب و في وقت التحلل. 4)ثم ضرب المثل بالتقاط آلة التصوير بالصور في لحظة قصيرة بالاهتزاز الذي يحدث تفاعلا كيميائيا معروف القدر تسجل به المناظر بألوانها وجمالها دون أن يؤثر ذلك على الذرات. 5)قوله: "ويظهر أن الأشياء الحية تقيس الزمان ...الخ " يريد بذلك أن الحيوان العاقل وغير العاقل هو الذي يهتم بالزمان،ثم مثل لذلك بالأنهار التي كانت جامدة في العصر الجليدي ثم ذابت بعد ذلك وتركت طبقات من الصلصال تدل على السنين الماضية،فقد استعان الإنسان على معرفة الزمان بالجماد. وكذلك يقال فيما ذكر بعده من طبقات الكلس التي في سقوف الكهوف وما يعلو أرضها من الرواسب. 6)قوله:"ولا تستطيع الكائنات الحية أن تدرك كنه الزمان الخ" أمر واضح،لأن الزمان المحيط بالكائنات الحية فيه تنشأ وفيه تفنى فلا يمكن أن تحيط به علما،و إذا كانت الكائنات الحية حتى أشرفها وهو الإنسان عاجزة عن إدراك كنه الزمان، فكيف تستطيع أن تدرك كنه صفات خالق الزمان ومجريه،العالم بأوله وآخره؟ وصدق الله العظيم إذ يقول:{يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما}.ثم سأل المصنف عن إمكان صحة الرأي القائل:إننا معشر البشر إذا انتقلنا إلى الدار الباقية نقيس الزمان بالحوادث،لا بحركات أجرام الفلك.والجواب عن هذا السؤال(طارت به في الجو عنقاء مغرب)،فمن ذا الذي يستطيع أن يجزم بالنفي أو الإيجاب،وهو بعد في سجن الحياة؟.والتفكير في هذه المسألة من النهم الذي يصيب العلماء. وما أصدق الخبر القائل :منهومان لا يشبعان طالب علم وطالب مال. 7)قوله: "وقد تحصد مساحات شاسعات الخ " يقال احصد الزرع إذا حان وقت حصاده. 8) قوله: "ومقاييسنا للزمن يمكن أن لا يكون لها تعلق بالعالم في مجموعه الخ " بيان ذلك ؛ أننا نقيس الزمان على حسب طلوع الشمس وغروبها،وبعبارة أدق حسب دوران الأرض. فإذا كانت الكواكب الأخرى كالمريخ مثلا مأهولة بمخلوقين عاقلين،يقيسون زمنهم ،فإن قياسهم للزمان يخالف قياسنا،هذا مع أن المريخ إذا قابلناه بالشعرى نجده قريبا منا.وإذا كان في الكواكب التي تدور حول الشعرى عقلاء يقيسون الزمان،فلا بد أن يكون قياسهم مخالفا لقياس سكان المريخ.وإذا كان الزمان مرتبطا بالشمس بالنسبة إلينا والى كل من يستضيء بها في سائر الكواكب السيارة،إن كانوا موجودين فقبل وجود الشمس كان الزمان معدوما،وبعد عدمها سيكون كذلك.وكل ذلك يبرهن على نقصان علم الإنسان وضيق معرفته.وصدق الله اذ يقول(إنه كان ظلوما جهولا). 9) قوله: " لا هو ولا هي يستطيعان أن يحددا اليوم الرابع والعشرين من مايو بعد سبع عشرة سنة كما يفعل الجراد في الظلام " تقدم في المقالات السابقة أن الله الذي خلق فسوى وقدر فهدى قد وهب بعض أنواع الحيوان من الغرائز والإلهام ما يعجز عنه الإنسان العاقل، فسبحان الذي أتقن كل شيء خلقه.