إن الحيوان المتولد من جنسين مختلفين يبدو في الظاهر كأنه مخلوق جديد تطور عن قصد، كالكلاب السلوقية، والكلاب البكينية والكلاب البوكية. وكلها كلاب. واذا اعتنى بتربيتها تبقى على صفاتها المكتسبة واذا لم يعتن بتربيتها تعود الى حالتها الطبيعية وتفقد تلك الصفات التي اكتسبتها بالتربية وربما كانت في الأصل ذئابا. وإذا حوفظ على تكييفها تكييفا مطابقا للبيئة التي وجدت أنفسها فيها ولم تختلط بغيرها بالتوالد فإنها بمرور الزمن تشكل نوعا جديدا من الكلاب. وقد ربي الحمام بقصد إحداث أنواع جديدة منه منذ ابتداء التاريخ تقريبا. ومن تلك الأنواع ذوات الأذناب التي تشبه المراوح، والحمام المعروف بالهزاز وقد تكون هناك فلتات أو شواذ، ولكن الجنات تنتظر في هدوء لتعيدها الى نوعها الأول. ويمكنك أن تراها في طريقها الى الرجوع الى أصلها في أي شارع من شوارع المدن فتلحظ فيها العلامات المتشابهة والميل العام إلى الانسجام التام في اللون. ونحن نكره الحيوان الشاذ بطبعنا، فلو رأينا بقرة ذات خمس قوائم أو بقرة ذات رأسين لاشمأززنا من رؤيتها ، و لكن ُنعجب بالرجل الجميل إلا اذا كانت أخلاقه ذميمة، وكذلك نعجب بالمرأة الجميلة وأحب شيء إلى نفوسنا الأم المتفانية في حب الخير لأبنائها. ان الجنات هي جزء من خلايا الوراثة، ولكن خلايا الوراثة لا تشارك في التكوين العام للجسم، ولكنها منعزلة ولا تشارك بأي وجه من الوجوه في الأعمال غير المهمة التي تقوم بها الكئنات الحية. وهذه الخلايا تحفظ المشابهة الكاملة الكائنة في الجنس. ويظهر أنها لا تتأثر بسلوك الوالدين، غير أن الأخلاق السيئة والأمراض والحوادث يمكن أن تعطيها مادة ردية لتشتغل بها. إن الوالدين القويين قد يلدان أطفالا أقوياء، ولكن ذلك بسبب أنه كان لهم جدود أقوياء، إن الوالدين قد يعطيان ولدهما مكانا طبيعيا جيدا ليعيش فيه، وقد يهبانه مباءة لا تصلح أن تعيش فيها نفس خالدة. فالأبوة والأمومة أعظم مسؤولية يتحملها الانسان. إن لحي الرجال لا تنبت أقصر مما كانت بسبب أنهم يحلقونها. وقطط الجزيرة المعروفة بجزيرة الانسان ليس لها أذناب ولم يكن ذلك بسبب أن شخصا قد قطع ذنبي الهر والهرة اللذين وجدا لأول مرة في تلك الجزيرة. لعل الجنة الخاصة بنمو الذنب كانت مفقودة في الأصل الأول لقطط تلك الجزيرة ومع هذه المصيبة نشأت القطط المتنسلة منه صحيحة بدون تلك الجنة. ان البيئة قد تحدث تغيرات بطيئة في أنواع أعمال الجنة. فان كانت التغيرات صالحة استمرت تلك التعديلات، والا فإن المخلوق الذي أصابه التغير يزول لأنه غير صالح لملاقاة الأحوال. إن الكلب المكسيكي الذي لا شعر له قد ينشأ صحيحا في الأراضي البادية المتجمدة، ولكن نسله قد يموت من شدة البرد. إن القائلين بنظرية التطور والنشوء والارتقاء لم يكونوا يعلمون شيئا من أخبار الجنات – وحدات الوراثة- ولذلك بقوا واقفين في المرحلة التي يبتدئ فيها التطور حقيقة ، أعني عند الخلية، وهي الكيان الذي يحتوي على الجنات ويحملها. كيف استطاعت هنة صغيرة تشتمل على بضعة ملايين من الذرات المجتمعة التي لا ترى إلا بالمجهر وهي الجنة، كيف استطاعت أن تدبر تدبيرا مطلقا جميع الحياة التي على وجه الأرض. هذه القضية لا تزال أعظم أعجوبة من أعاجيب العالم. "أيهما وجدت قبل الأخرى الدجاجة أم البيضة" هذا لغز تعبت فيه الأفكار زمانا طويلا وقد حل الآن حلا نهائيا. والجواب هو لا هذه ولا هذه، بل سبقتهما للوجود خلية أولية. والبيضة إنما هي غذاء للجنين، وهي تشتمل على الخلية المفردة التي التقت مع إلفها أي عشيرها. فمتى اتحدت الجنات التي في الخلية وانقسمت، فإن هذه الجنات والستيولازم تجبر الآن على أن تنتج دجاجة تضع بيضة أخرى. والمادة على هذا الشكل لا غرض لها، فليست لها غاية حتى في طاعتها للقانون، ولكن الحياة في كل مادة لها غرض محدود، كأن تنشئ شجرة أو كرمة عنب أو فيلا أو إنسانا باتفاق تام على خطة محدودة رسمتها الجنات. إن الحياة ترغم على التناسل من أجل بقاء الجنس بدافع قوي حتى أن كل مخلوق يبذل أعظم تضحية لهذا الغرض... ففي بعض أنواع الحيوان كذباب مايو مثلا يموت دفعة واحدة عدد من أفراد هذا النوع حين يتم عمله. وهذه القوة القاهرة لا توجد حيث تفقد الحياة. فمن أين نشأت هذه الدوافع المسيطرة ولماذا تستمر بعد نشأتها ملايين السنين ؟ انه قانون طبيعة الحياة، وهو في قوته مثل التركيبات الكيميائية المسيطرة. إنه يأتي من فوق أي إرادة الله عز وجل. إن الاختلافات الجوهرية الموجودة بين جميع المواد العنصرية لام الجميع وهي الأرض، وبين كل ما فيه حياة هي أنه على حين جميع العناصر يمكن أن تتحد وتتبلور وتتغير في المظهر، لا يوجد أي تغير في الذرات ولا علاقة محسة أي مشعور بها بينها. بل بالعكس، نرى الكائنات المتصفة بالحياة تنظم جميع العناصر في مجموعة من التراكيب الجديدة، كل في مجاله من العمل، تتنافس كلها في بذل الجهود لحفظ هذه الصلات الحية. وهذا التعاون الموروث النشيط مفقود تماما إلا حيث توجد الحياة. وإنه لم يقدر حق قدره مع أنه قانون عظيم لا يقل عن قانون الجاذبية، ولابد أن يكون قد جاء من المصدر نفسه الذي صدر منه قانون الجاذبية. إن مثل هذه القوانين لهي ناشئ عن ارادة الله التي تسيطر على جميع العوالم وليس ناشئا عن المصادفة. لقد علمنا أن الجنات متفق على الاعتراف بأنها تنظيمات دقيقة أصغر من الذرات المكروسكوبية في خلايا الوراثة في جميع الأشياء المتصفة بالحياة. وهي تحفظ التقدير، والسجل السلفي، والخواص اللازمة لكل شيء حي، وتتحكم بالتفصيل في الجذر والجدع والورقة والزهرة والثمرة من كل نبات تحكما تاما في غاية الضبط كما تقرر الشكل، والقشور والشعر والأجنحة لكل حيوان ويشمل ذلك الإنسان. اذا سقطت حبة من ثمر البلوط على الأرض فالقشرة السمراء الخارجية تحفظها سالمة. فتتدحرج الى حفرة من الأرض. وفي الربيع تستيقظ الجرثومة فتنشق القشرة ويظهر الغداء من اللب الشبيه بالبيضة الذي كانت فيه الجنات مختفية. فترسل العروق في الأرض واذا بشيء يخرج من الأرض في شكل نبتة ضئيلة وبعد سنين تصير شجرة. إن الجرثومة بما فيها من الجنات قد تضاعفت ملايين الملايين وكونت الجذع. والقشرة وكل ورقة وكل ثمرة كل ذلك مماثل تمام المماثلة لشجرة البلوط التي تولدت منها. وفي خلال مئات السنين بقي محفوظا في ثمار البلوط التي لا تحصى تنظيم الذرات نفسه بغاية الضبط مطابق للنظام الذي نشأت منه أول شجرة بلوط منذ ملايين السنين الماضية. لم تحمل قط شجرة بلوط تمرا، ولم يلد حوت قط سمكة. ومزارع القمح المتموجة متماثلة في كل حبة من حبوبها، والحنطة هي الحنطة، والقانون يتحكم في التنظيم الذري بالجنات التي تقرر كل نوع من الحياة من بدايتها الى نهايتها. لقد قال هيغل أعطني هواء ومواد كيميائية ووقتا، وأنا أصنع إنسانا، ولكنه أغفل وحدات الوراثة الجنات وأغفل الحياة نفسها. لقد كان عليه – لو استطاع! – أن يجد الذرات غير المرئية وينظمها ووحدات الوراثة (الجنات) ويمنحها الحياة ! وحتى في هذه الحالة تكون النتيجة، بنسبة ملايين إلى واحد، ولو أنه نجح في ذلك لقال أن الأمر لم يكن مصادفة مجردة، ولكنه ثمرة عقله وإرادته!. حقا ان الله هو الذي يخلق المعجزات والخوارق وينشئها بطرق وأساليب تخفى على أذهان البشر. تعليقات: 1) قوله... إن الحيوان المتولد من جنسين الخ... يعبر المترجمون عن الحيوان المتولد من جنسين مختلفين كالخيل والحمير والذئاب والكلاب مثلا بالهجين ، وقد تركت هذا التعبير عمدا لأنه لا يفي بالمعنى المطلوب ولا يطابق استعمال العرب لهذا اللفظ. وحاصل كلام المؤلف كما تقدم أن الحيوان المتولد من جنسين لا يكون نوعا جديدا. ثم قال هنا.. يبقى محافظا على الصفات المكتسبة بالتربية. وإذا أُهمل يرجع الى طبيعته الأصلية. ثم يبين أن ذلك الحيوان الذي اكتسب تلك الصفات والمزايا إذا طال به الزمان مع المحافظة على صفاته المكتسبة قد يكون نوعا جديدا. ويظهر لي ان هذا الكلام راجع الى الصفات المكتسبة، وانها بمرور الزمان تصير ثابتة، لا الى طبيعة التوالد والتطور فإن ذلك لايمكن أن يتغير بالمصادفة أو بفعل خارجي كالفساد الواقع بين جنسين. الا ترى أن البغل لا نسل له ولن يكون له نسل ولو طال الزمان. أما أنواع الكلاب فهي جنس واحد والاختلاف بينها انما هو في الطباع وهي تتغير بالتربية خصوصا اذا طال الزمان عليها. وبهذا يظهر اتفاق كلام المؤلف السابق واللاحق. 2) قوله أن قطط الجزيرة المعروفة بجزيرة الانسان الخ .. اقول لعل السر في كون هذه الهرر قد خلقت بلا اذناب هو اظهار قدرة الله تعالى ومشيئته الشاملة لكل ما يقع في العالم ردا على الدهريين والطبيعيين الذين يزعمون ان الطبيعة المفترضة هي عمياء بكماء صماء مجبورة مقهورة جاهلة عاجزة هي التي تدبر أمور العالم. واذا صح ما افترضه كريسي مورسن من أن الجنة التي تكون الذنب فقدت في تلك فليس فقدها واقعا على سبيل المصادفة. وانما وقع بقصد وإرادة من الخالق الذي لا يضل ولا ينسى لحكمة عظية تظهر لقوم وتخفى على آخرين. 3) وقوله.. ولم يكن ذلك بسبب ان شخصا قد قطع ذنبي الهر الهرة الخ.. يدل على أن الانسان عاجز عن تغيير خلق الله، ومثل ذلك الأعمى لا يكون أولاده عميا والأعرج لا يلد أولادا عرجا. 4) قوله.. إن القائلين بالنشوء والارتقاء لم يكونوا يعلمون من أخبار الجنات الخ.. أقول : ايها المؤمن اثبت على ايمانك بالله الواحد القهار ولا تكن من المذبذبين. كريشة في مهب الريح طائرة **لا تستقر على حال من القلق لقد انتشرت نظرية داروين في العصر الماضي القريب أعظم انتشار وكفر بسببها كثير من الناس وكذبوا بآيات الله، وظنوا أنه جاءهم اليقين، ثم تبين خطأ تلك النظرية وأنها إنما كانت مرحلة من مراحل البحث وأن السفر بعدها لا يزال طويلا. وجاءت المرحلة التي بعدها فاكتشفت الخلايا والجنات وزيفت كثيرا من آراء داروين غير الناضجة، وأقرت ما كان منها صحيحا، فاغتبط المؤمنون الذين ثبتوا على إيمانهم ولم يتركوا يقينهم لظن غيرهم. وما أحسن ما قال الامام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: اذ المعظلات تصدين لي كشفت حقائقها بالنظر ولست بإمعة في الرجال أسائل هذا وذا ما الخبر وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال .. كنا في الجاهلية نسمي الرجل الذي يرى أناسا مدعوين إلى وليمة فيتبعهم إليها دون أن يكون مدعوا، كنا نسميه إمعة. وهو فيكم المحقب ؟ دينه الرجال. قال كاتب هذا المقال.. يعني المقلد في العقائد الذي لا يستعمل عقله ولا علمه ولا بصره بل يغمض عينيه ويضع يده في يد شخص آخر يقوده فيهوي في مهاوي الضلال. 5) قوله وأنه لم يقدر حق قدره مع أنه قانون عظيم لا يقل عن قانون الجاذبية الخ. أقول.. أظن ان السبب في ذلك هو التنافس على الحطام وحب السيطرة، فان علماء الطبيعة لما رأوا رجال الكنيسة يحاربونهم ويكفرونهم ويضيقون عليهم الخناق ويحبون استغلال النفوذ الديني في الاستيلاء على الحكم أخذوا ينتقمون منهم بكل وسيلة. وبلغ بهم الأمر إلى ان أهملوا النظر في أسرار الحياة، لأن ذلك النظر سيوصلهم لا محالة إلى الاقرار بوجود الله وأنه الخالق الرزاق العليم القدير الذي يدبر الأمر من السماء إلى الأرض. وهذا يفضي بهم إلى الاعتراف برسالة الرسل فيستظهر عليهم رجال الدين. فلذلك قابلوا ظلما بظلم وإجحافا بإجحاف وإهمالا بإهمال وخير الأمور الوسط وما عداه شطط. 6) قوله. وهي تحفظ التقدير والسجل السلفي الخ. المراد بالسلفي هنا العائد إلى أسلافها من الجنات لا تختلف مع أسلافها في شيء وذلك من الأسرار الربانية التي تدل دلالة قاطعة لا ريب فيها على أن لهذا الكون مدبرا عليما حكيما قديرا. 7) قوله. لم تحمل قط شجرة بلوط تمرا الخ. هذا الثمر يترجم بالشاة بلوط وبالقسطل أبي فروة بعامية عرب الشرق. ومراد المصنف ان الهيئة التي حملت بها شجرة البلوط التي ولد بها الحوت أولاده والهيئة التي نمى بها الزرع إلى أن صار حيا هي مطابقة تمام المطابقة لاول شجرة بلوط خلقها الله ولأول حبة نبتت منذ بدء الخلق إلى يومنا. والحوت المذكور هنا هو نوع كبير جدا يكثر في بحر الشمال وهو الذي تسميه العرب (القريش). 8) هيغل فيلسوف الماني مشهور أفضى به البحث الناقص إلى ان زعم ان الحياة الانسانية وغيرها هي نتيجة تركيب كيميائي اجتمع مع الماء وطال عليه الزمان. ومتى وجد الزمان الطويل الذي بعد بملايين السنين مع التراكيب الكيميائية والماء وجد الحيوان والنبات. ولم تكن الخلايا الذرية والسيتوبلازم والجنات قد عرفت. فرد عليه المصنف بقوله.. هب أنك وجدت ما ذكرت فلن تستطيع أن تخلق ذبابة فضلا عما هو فوقها من الحيوان والانسان. إذ يجب عليك قبل أن تتصدى لخلق الحيوان أن تجد الجنات و هي لا ترى بالبصر فكيف تجدها. وتجد الخلايا التي تتضمنها والسيتوبلازم لها ولن تجد ذلك أبدا، ولو وجدتها لبقي عليك أن تهبها الحياة ولن تستطيع ذلك أبدا. ولو استطعته لكان نصيبك من النجاح بنسبة واحد من ملايين. فقد بنيت فرضك على محال في محال ، ظلمات بعضها فوق بعض. وقل لمن يدعي بالعلم معرفة علمت شيئا وغابت عنك أشياء ثم قال مورسن لهيغل.. وهب أنك قدرت على ذلك كله ونجحت النجاح التام في خلق الانسان وما تتوقف عليه حياته من نبات وحيوان، افترضي ان يقال لك إن هذا الخلق كان مصادفة، رمية من غير رام؟ لاشك أنك لا ترضى بذلك بل تقول بملء فمك إنه نتيجة عقلك وإرادتك. فكيف تجحد صنع الله الذي أوجد الأسباب والمسببات وخلق الأرض والسموات. وتقول: ان ذلك من المصادفات، بل قولك هذا من السخافات أو المغالطات. فيا عجبا كيف يعصى الإلـ ـه أم كيف يجحده الجاحد وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد وقد انتهى الفصل العاشر من كتاب مورسن بانتهاء سنة المجلة. وموعدنا الجزء الأول من السنة الآتية إن شاء الله.