نقد مقال العوائق النفسانية للتخطيط -5-
يقول كاتب هذا المقال : قمت بزيارة للسفارة السويسرية فتلقاني الموظفون المختصون بكل حفاوة ولطف، واقترحوا علي أن أقدم لهم السؤال مكتوبا، فقدمته شاكرا لهم، فجاءني الجواب التالي. وها أنا ذا أتحف به القراء المؤمنين، فأضعه تاجا على رأس هذه الحلقة من المقالات التي تفضح دعاة الهدم والتخريب المروجين للأباطيل الكائدين للإسلام، وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا. وهذه ترجمة الجواب.
السفارة السويسرية بالرباط في 15 مارس 1965
سيدي الأستاذ البروفسور الدكتور تقي الدين الهلالي.
جوابا عن رسالتكم المؤرخة بـ 14 مارس 1965 وعلى زيارتكم التي قمتم بها ذلك اليوم لإدارة السفارة. لي الشرف أن أبعث لكم بعد ذلك المطالب التي تهمكم نحو مختلف الأديان لسكان بلادنا المتجنسين بالجنسية السويسرية.
طبقا لإحصائيات 1960 :
1- البروتستانتيون : خمسمائة وواحد وسبعون في الألف ‰ 571
2- الكاتوليكيون الروم : أربعمائة وثلاثة عشر في الألف ‰ 413
3- الكاتوليكيون المسيحيون : ستة في الألف ‰ 6
4- الإسرائيليون : اثنان في الألف ‰ 2
5- مجموع الأشخاص المختلفي الاديان، والذين لا يدينون بأي دين : ثمانية في الالف ‰ 8
التوقيع سفير سويسرا ب ... فدشر
فتأملوا أيها القراء الأعزاء جواب هذه السفارة التي تمثل أعظم دولة بلغت الغاية في الديمقراطية والحرية، مع أن سكانها لا يتجاوزون خمسة ملايين، هم محافظون على حياد سلبي لا يشاركون في أي تكثل ولا يتحيزون إلى أي جانب. وقد مضت عليهم مئات السنين لم يدخلوا في أي حرب منذ حرروا أنفسهم بحد السيف ومضاء العزم من السيطرة النموية لم يستطع أي محارب بالغا ما بلغ أن يستميلهم إلى مشاركته في حربه مع عدوه، لا طوعا ولا كرها. ومن المعلوم أن هيتلر كان مجاورا لهم، بل محيطا بهم من كل جانب، ولم يستطع أن يضمهم إليه مع استيلائه على جيرانهم جميعا، وكذلك أعداء هيتلر لم يستطيعوا جرهم إلى جانبهم لأنهم حافظوا على حيادهم بسلاحهم وعبأوا جيشهم الصغير وفرضوا التمويل في الأقوات واستعدوا لمحاربة أي فريق تبدر منه بادرة جرهم إلى الحرب. هذا الشعب العظيم الحر كم عدد الملحدين من أفراده أربعة في الألف، على اعتبار أربعة متتبعي أديان مختلفة، وأربعة كفرة، هذا إذا بلغ الملحدون نصف العدد.
ومن خصائص هذا الشعب أن نساءه لا يشاركن في الانتخاب، وفي ذلك عبرة لمن يدعي من الشعوب المختلفة أن التقدم والرقي لا ينالان إلا بمشاركة النساء في الانتخاب.
وقد حصلت على الجواب في هذه المسألة سأتوج به هامة المقال التالي إن شاء الله فانتظروه، وهذا الجواب من السفارة البريطانية في الرباط.
أقوال الفلاسفة في وجود الله عز وجل
قالت دائرة معارف القرن التاسع عشر : فليس لنا إذن أن نبحث عن أدلة وجود الخالق بطريقة دقيقة في الكتب المقدمة الهندية والفارسية والإسرائيلية والمسيحية والإسلامية. ومع ذلك، فإنا إن لم نصادف فيها برهانا منطقيا على وجود الخالق، فلن يفوتنا أن نعترف بأن هذه العقيدة في تلك الكتب تعبر عن العلل التي تنبني عليها، باعتمادها على أصل سبب الكون وغايته، وهو الأصل الذي يعتبر بداية للبرهان الذي يدعى بالطبيعي الإلهي. هذا البرهان الذي قال عنه الفيلسوف (كانت) أنه يستحق الالتفاف والاعتبار، وأنه أقدم البراهين وأشيعها يلبس في الكتب المقدمة حلة، هي إلى أن تكون شعرية أقرب منها إلى أن تكون فلسفية. ولكن يمكن أن يقال : أن هذا البرهان هو روح الإيمان الذي أثر على عقول الجماهير وأسس سلطة الداعين إليه، وإن لم يلحظ أو يظهر تمام الظهور. انتهى
نقول : ليس بحط من قدر الكتب المقدمة أن لا يأتي فيها الدليل على وجود الخالق لابسا حلة منطقية جدلية، فإن تلك الكتب أنزلت لتؤثر على العقول من جهة أرقى من الإدراك، ولذلك كان تأثيرها أكبر من تأثير الفلسفة التي تفتخر بالمنطق والعلوم الجدلية، بل لو جاءت للأمم بتلك الآلات الكلامية المصطنعة لما تعدى تأثيرها تأثير فلسفة أرسطو وأفلاطون، وليس هذا المقصود من إيحائها.
على أن القرآن الكريم قد اختص من بين الكتب السماوية لما يعتبر أنه أصل أدمغ البراهين الجدلية. فقد قال تعالى (أفي الله شك فاطر السماوات والأرض) فأنت ترى أنه جاء في هذه الآية الكريمة بالأصل الذي استمدت منه أقوى البراهين وجودها، وهي البراهين التي يعبر عنها الفلاسفة بالسببية، فكأنه قال : إذا لم يكن إله، فمن فطر السماوات والأرض.
وقد قرأنا في مجلد 1893 من مجلة كوسموس بحثا كتبه الأستاذ مومنيه يثبت به وجود الخالق فقال : "إن افترضنا بطريقة تعلو عن متناول العقل أن الكون خلق اتفاقا بلا فاعل مريد مختار، وأن الاتفاقات المتكررة توصلت إلى تكوين رجل، فهل يعقل أن الاتفاقات أو المصادفات تكون كائنا آخر مماثلا له تماما في الشكل الظاهر، ومباينا له في التركيب الداخلي، وهو المرأة بقصد عمارة الأرض بالناس وإدامة النسل فيها. قال، أليس يدل هذا وحده على أن في الوجود خالقا مريدا مختارا، أبدع الكائنات ونوع بينها، وغرز في كل نوع غرائز ومتعه بمواهب يقوم بها أمره، ويرتقي عليها".
نقول إن هذا البرهان الذي ظن الأستاذ مومنيه أنه أول من استلفت الأنظار إليه، مستمد من قوله تعالى (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة) فإذا لم يكن في القرآن براهين منطقية مبينة على أسلوب صناعي، ففيه أرقى من ذلك كما ترى في قالب يستهوي المدارك والأرواح معا. ألا يرى القارئ معي أن قوله تعالى (أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون) ينطوي على أصول جمهور كبير من البراهين التي يسميها الكتاب منطقية أو جدلية.
قال أكسونوفون في كتابه (مذكرات أكسونوفون) قال سقراط لأريستوديم : قل يا أريستوديم، أيوجد رجال تعجب بهم لمهارتهم، وجمال صنائعهم ؟.
أريستوديم – نعم حقيقة.
سقراط، أخبرني عن أسمائهم.
أريستوديم – أعجب في الشعر القصصي بهومير، وفي المراثي بسفوكل، وفي صناعة التماثيل ببوليكتيت. ثم ذكر سائر الذين يعجب بهم من أهل الفنون كل واحد وفنه.
قال سقراط : أي الصناع في نظرك أولى بالإعجاب، الذي يخلق صورا بلا عقل ولا حراك، أم الذي يبدع كائنات ذات عقل وحياة.
أريستوديم – وحق جوبتير، أن أولاهما بالإعجاب هو الذي يبدع الكائنات المتمتعة بعقل وحياة، إذا لم تكن هذه الكائنات من نتائج الاتفاق.
سقراط – ولكن أي الكائنات أولى أن تعتبرها من نتائج الاتفاق أو من نتائج الإدراك، التي غايتها ظاهرة أم التي منافعها مشكوك فيها. أريستوديم – من العدل أن أقول، أن الكائنات ذات النفع هي أولى بأن تنسب إلى عمل الإدراك.
سقراط – ألا ترى أن الذي فطر الناس قد أعطاهم ما لديهم من الأعضاء لغايات ومقاصد خاصة، فأعطاهم الأعين للنظر، والآذان للسمع، وماذا كانت تجدينا الروائح إن لم تكن لنا أنوف. وهل كنا نشعر بمرارة المر، وحلاوة الحلو، إن لم تكن لنا ألسنة تميز بين هذه الطعوم؟ ثم ألا ترى من دلائل التبصر والحيطة أن تكون الأعين لرقتها وسهولة تأثرها قد متعت بالأجفان، تقفل، وتفتح بالإرادة، وتنسدل على العينين وقت النعاس وقد حليت أطرافها بأشبه شيء بالغربال من الرمش ليحميها شر الرياح، وأن الحواجب قد وضعت لتمنع تساقط العرق إليها. وإن الآذان خلقت قابلة لتمييز جميع الأصوات بدون أن تمتلي قط. إلى أن قال – كل هذه الاعمال التي تدل على تبصر واحتياط إلى أي شيء تعزوها، إلى الاتفاق أم إلى الإدراك.
أريستوديم – لا وحق جوبتير، إن هذه الاعمال إذا نظر إليها الإنسان تدل على أن قد صنعها صانع يحب الكائنات الحية.
سقراط – وما ذا تقول في الميل المودع في النفوس للتناسل، وفي الحنان المخلوق في قلوب الأمهات للهيمنة على فلذات أكبادهم، وفي الخوف الموجود في تلك الكائنات من العطب؟.
أريستوديم – لاشك أن كل هذا يدل على أنه اختراع كائن قرر خلق الحيوانات.
سقراط – أتعقل أنك وحدك قد تحليت بعقل وإدراك، وأنت كما تعلم لا تقارن بشيء من الوجود، وأن هذه المخلوقات كلها المتمتعة بإدراك مثلك لا تحتاج لعقل يرتب علاقاتها ويقيم أمرها على قاعدة النظام.
أريستوديم – أن أنكر ذلك وحق جوبتير، فإني لا أرى ذلك الصانع كما أرى الصناع من الناس.
سقراط – إنك لا ترى كذلك روحك التي تتسلط على أعضائك، فهل تستطيع أن تقول أن جميع أفعالك صادرة بلا عقل ولا إدراك، بل بالاتفاق.
براهين أفلاطون
استدل أفلاطون على وجود الخالق بالبرهان الذي يدعى بالسببي، فقال في كتابه المسمى (تيمية) من البديهي أن كل حادث له سبب إحداثه، ولا يعقل حدوث شيء بلا سبب.
ومن المعلوم بالضرورة أن العالم حادث، لأنه مشاهد ومحسوس ومادي، وكل هذه الصفات محسوسة فيه. ولما كان كل ما هو محسوس ممكن إدراكه بواسطة الحواس فهو حادث ومصنوع. فيكون الوجود، وهو أجمل الأشياء الحادثة له سبب إحداثه، هو أكمل الأسباب كلها.
براهين أرسطو
أرسطو أشهر فلاسفة اليونانيين، وهو تلميذ أفلاطون (384-322) ق. م. قال في إثبات الخالق في كتابه المسمى (أثولوجيا. عقل واجب الوجود) ثم قال أن واجب الوجود هو عقل لذاته، لأنه مجرد عن المادة منزه عن اللوازم المادية، فلا تحتجب ذاته عن ذاته، أما كونه عقلا لذاته، فلأنه مجرد لذاته، فهو يعقل ذاته، ومن ذاته يعقل كل شيء، فهو يعقل العالم العقلي دفعة واحدة من غير احتياج إلى انتقال وتردد من معقول إلى معقول، وأنه ليس يعقل الأشياء على أنها أمور خارجة عنه كما نعقلها نحن، بل يعقلها من ذاته، وليس هو عاقلا وعقلا بسبب وجود الأشياء المعقولة، بل الأمر بالعكس، أي أن عقله للأشياء قد جعلها موجودة، وليس له شيء يكمله، فهو كامل بذاته مكمل لغيره، ولما كان هو لم يزل ولن يزال موجودا بالفعل فيجب أن يكون له من ذاته الأمر، الأكمل والأفضل.
واجب الوجود لا يتغير
ثم قال : أن واجب الوجود لا يتغير، لأن انتقاله عن حالته يكون إلى الشر لا إلى الخير، لأن كل رتبة هي دون رتبته، وكل شيء يناله هو دون نفسه، ثم قال محمد فريد وجدي ما نصه : هذه أصول براهين الأقدمين في إثبات الخالق جل وعز. وقد نحا العرب نحوهم، وحذا فلاسفة القرون الوسطى في أوربا حذو العرب، فلم تزد البراهين على وجود الخالق على ما كانت عليه قبل عيسى عليه السلام بنحو أربعة قرون. فلما ظهرت بواكر العلم في أوربا فتح على العقول ببراهين جديدة، رأينا أن نلم بها على ترتيب حدوثها.
وأول من جاء بشيء جديد فيها العلامة الكبير (ديكارت) الفرنسي (1596-1650م).
ديكارت هذا حول وجهة الفلسفة وجدد قواعدها، فبعد أن كانت مستقرة على مذهب أرسطو أقعدها على قاعدة العلم الصحيح المجرد عن الظنون والمسلمات، فجعل أساس الفلسفة الشك ودليلها الوضوح والجلاء. وقد جرى في استدلاله على وجود الخالق على سنة لم يجر عليها أحد ممن سبقه، فجرد نفسه من جثمانيته وأخذ يبحث عن الحقيقة في أعماقها لا في الوجود الخارج عنه، ليصل إلى الحق بذاته لا بوسائل خارجة عنه. فلم يسائل الوجود عن صانعه، ولم يناجي العوالم عن عللها، بل اقتصر على نفسه ورغب أن ينكشف لهم ما غمض عليه منها هي وحدها دون سواها. فأعطى على وجود الخالق أدلة ثلاثة، كلها أدلة نفسانية.
أولها – قال إني مع شعوري بنقص ذاتي أحس في الوقت ذاته بوجوب وجود ذات كاملة، وأراني مضطرا للاعتقاد بأن هذا الشعور قد غرسته في ذاتي تلك الذات الكاملة المتحلية بجميع صفات الكمال، وهي الله.
ثانيها – قال ديكارت : إني لم أخلق ذاتي بنفسي، وإلا فقد كنت أعطيها سائر صفات الكمال التي أدركها. إذن أنا مخلوق بذات أخرى، وتلك الذات يجب أن تكون حائزة جميع صفات الكمال، وإلا اضطرت أن أطبق عليها التعليل الذي طبقته على نفسي.
ثالثها – قال ديكارت : إن عندي شعورا بوجود ذات كاملة، لا يفترق في الوضوح عن شعوري بأن مجموع زوايا أي مثلت تساوي زاويتين قائمتين. إذن فالله موجود.
ثم ذكر محمد فريد وجدي طريقة ديكارت في الاستدلال وأطال في بيانها إلى أن قال فيما نقله عنه : أن لفظة (الله) إن لفظت بها، فإنما أعني بها هبول لا نهاية لها أزلية دائمة مستقلة عالمة بكل شيء، وقادرة على كل شيء. وإني أنا وجميع العوالم الموجودة مخلوقة لها وناتجة منها. وهذه معارف جمة كلما تأملت فيها بدقة ازددت اعتقادا بأني لم استنبط الشعور بوجود الله وجودا مستقلا، وأن شعوري بوجود هبولي غير متناهية لا يمكن أن يكون أصله في ذاتي أنا ذلك الكائن المتناهي، بل غرست في ذاتي من قبل هبولي غير متناهية في الحقيقة.
تعليقات
1- يقول محمد تقي الدين : قول دائرة معارف القرن التاسع عشر : فليس لنا إذن أن نبحث عن أدلة وجود الخالق بطريقة دقيقة في الكتب المقدمة. إلخ.
فيه نظر كما بين من قبل، لأن إذا أردنا أن القرآن، وهو أحد الكتب المقدسة، لم يسلك في البرهنة سبيل المنطق اليوناني الشكلي، فذلك صحيح. وأما إذا قيل أن القرآن لم يتعرض لإقامة البرهان على وجود الخالق أصلا، فليس صحيح، لأن القرآن قد استدل بوجود الأثر البديع على الخالق المبدع في آيات لا تعد ولا تحصى، فبرهان (ديكارت) مثلا على وجود الله تعالى موجود في القرآن. قال تعالى في سورة الذاريات 20-21 : (وفي الأرض آيات للموقنين. وفي أنفسكم أفلا تبصرون). قال البيضاوي في تفسير الآيتين : (وفي الأرض آيات للموقنين) أي فيها دلائل من أنواع المعادن والحيوانات، أو وجوه دلالات من الدحو والسكون، وارتفاع بعضها عن الماء واختلاف أجزائها في الكيفيات والخواص والمنافع، تدل على وجود الصانع وعلمه وقدرته وإرادته ووحدته وفرط رحمته. (وفي أنفسكم) أي وفي أنفسكم آيات، إذ ما في العالم شيء إلا وفي الإنسان له نظير يدل دلالته مع ما انفراد به من الهيئات النافعة والمناظر البهية والتركيبات العجيبة والتمكن من الأفعال الغريبة واستنباط الصنائع المختلفة واستجماع الكمالات المتنوعة. (أفلا تبصرون) تنظرون نظر من يعتبر. انتهى
هذا ما انكشف للمفسرين في زمان البيضاوي من البراهين الدالة على وجود الله وربوبيته وتدبيره للعالمين في الأرض وفي الإنسان نفسه. وقد انكشفت بعد ذلك للعلماء المفكرين آيات وتفصيلات هي أعظم دلالة، وأعلى برهنة على وجود الله تعالى. آخرها الذرة وما يدور حولها من الالكترونات. أما ما في الإنسان من الآيات التي انكشفت لديكارت وجعلته يوقن بوجود الله تعالى، فقد انكشف للعلماء بعده أسرار هي أعظم وأوضح مما انكشف له هو، وسأذكر بعضها إن شاء الله في المقالات الأتية ليعلم ريني الحبشي ومن يفرح بنقيقه من الذين استهوتهم الشياطين بوساويسها فأصبحوا حيارى أن ريحه لاقت إعصارا، وأن الحق لا يعدم، -حتى في هذا الزمان- أنصارا.
ومثل ذلك قوله تعالى في آخر سورة فصلت : "سنريهم آياتنا في الآفاق، وفي أنفسهم، حتى يتبين لهم أنه الحق."
هذه سورة مكية نزلت على النبي (صلى الله عليه و سلم) وهو وأصحابه يلاقون الأمرين من أذى المشركين. والسين للتنفيس تدل على حدوث الفعل في المستقبل، أي سيري الله أولي الألباب أهل العلم والمعرفة من الآيات الدالة على وجوده وتدبيره للعالم بأسره في آفاق الأرض والسموات على مرور الزمان ما لا يبقي ريبا ولا شكا في نفس أي طالب للحق، وسيري الله أهل العلم والمعرفة في أسرار خلق الإنسان آيات واضحات تكشف لهم الحق ولا تبقي عندهم لبسا. قال القاسمي في تفسير الذاريات. أنشد ابن أبي الدنيا في كتابه (التفكر والاعتبار) لشيخه أبي جعفر القرشي :
وإذا نظرت تريد معتبرا ** فانظر إليك، ففيك معتبر
أنت الذي تمسي وتصبح في **الدنيا وكل أموره عبر
أنت المصرف كان في صغر **ثم استقل بشخصك الكبر
أنت الذي تنعاه خلقته ** ينعاه منه الشعر والبشر
أنت الذي تعطي وتسلب، لا ** ينجيه من أن يسلب الحذر
وهناك آيات في هذا المعنى كثيرة، فالعجب من قولهم، أن القرآن لم يقم برهانا عقليا على وجود الله وتصرفه في خلقه.
2- كل من له عقل يتنزه به عن ردك الحيوان الأعجم، وتأمل مناظرة سقراط لأريستوديم يرى أن القول بالاتفاق والمصادفة غباوة عظيمة، أومكابرة تزري بصاحبها وتنزل به إلى أسفل سافلين.
3- المعلمون للأرواح أطباء القلوب المرشدون للشعوب المخرجون الأمم من الظلمات إلى النور هم الأنبياء، لا الفلاسفة، لأن الأنبياء مرسلون من الله لإصلاح العباد وإقامة الحجة عليهم، ومؤيدون بروح منه. أما الفلاسفة فقد امتازوا بعقول كبيرة تغوص في بحور الأفكار فتستخرج درر المعرفة وتعرضها على طلابها، ولا يلتزمون إصلاح فاسد، ولا تقويم معوج، وليسوا معانين على ذلك، لأنهم لم يكلفوا به. ألا ترى إلى أريستوديم الذي كان سقراط يحاوره، كيف يحلف بجوبتير، ومعناه الكوكب السيار الذي يسمى بالعربية (المشتري) فإن اليونانيين كانوا يعبدون الكواكب وينحتون لها تماثيل ويعبدونها، ولم يستطع فلاسفتهم أن ينقذوهم من عبادة الأحجار حتى جاءتهم المسيحية فدانوا بها وتركوا أصنامهم. ولو كانت الفسلفة تقدم للأرواح غذاءها وتنقذ النفوس من جهالتها وتربي الأمم بالأخلاق العليا، لكان الرسل المعلمون لدين الله الحق كلهم يونانيين. ونحن لا نسوق حجج الفلاسفة على وجود الله تعالى وتصرفه في خلقه لإقامة البرهان على صحة ذلك، وإنما نوردها حجة على من يزعم أن الفلسفة والبحث الحر يوجب على الباحث إنكار وجود الله وتكذيب رسله ليعلم من لا يعلم أن الفلسفة ورجالها الأقدمين والمتأخرين براء مما ينسبه إليهم هؤلاء الجهال الكسالى.
ومن المعلوم، عند أهل العلم والإيمان أن الحلف بغير الله كفر وشرك كما جاء في الحديث الصحيح، لأن الحلف من العبادة، كالدعاء والاستغاثة والنذر والذبح بقصد التعظيم، والخوف بالغيب، والاستعاذة، والتوكل، والخضوع بالقلب إلى غير ذلك من أنواع العبادات المفصلة في كتب التوحيد. فالفلاسفة يثبتون توحيد الربوبية ويقيمون عليه الحجج الدامغة ويهملون توحيد الإلهية والعبادة، ولذلك لم يستطيعوا إنقاذ قومهم من الشرك والوثنية.
4- قوله : هي إلى أن تكون شعرية أقرب منها إلى أن تكون فلسفية، ممنوع، لأن البراهين القرآنية التي أشرت إليها سابقا كقوله تعالى في سورة الطور (أم خلقوا من غير شيء) معناه كيف يعقل أن يخلق هذا العالم البديع الصنع المحكم من غير خالق عالم حكيم قدير منزه عن مشابهة الخلق ذلك محال، لأن وجود الصنعة بلا صانع لا يقبله العقل. وهذا بعينه ما تؤول إليه براهين الفلاسفة التي تقدم بعضها وسيأتي إن شاء الله سائرها.
فإن الاستدلال بالمصنوع على الصانع قياس حقيقي يقال فيه : هذا العالم مصنوع، وكل مصنوع لا بد له من صانع، ينتج : هذا العالم لا بد له من صانع. ثم يقال : هذا العالم محكم الصنع كامله، وكل صنعة محكمة كاملة لا بد أن يكون صانعها كاملا، ينتج (خالق هذا العالم متصف بصفات الكمال. ثم يقال : هذا العالم محتاج إلى صانع، وما أحتاج إلى صانع لا يكون صانعا، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، وذلك يدل على تنزه الله تعالى عن مشابهة المخلوق. والقياس الثالث توكيد وبيان، وإلا فهو من لوازم القياسين السابقين.
أما القياس الشعري فقد قالوا فيه (أنه قياس مؤلف من مقدمات متخيلة). والبراهين القرآنية الدالة على وجود الله تعالى وخلقه للعالم مقدماتها حقيقية بعيدة عن الخيال بعد الموجود من المعدوم.
5- على أن قائل ذلك قد استدرك فقال عقبه مباشرة : ولكن يمكن أن يقال : أن هذا البرهان هو روح الإيمان الذي أثر على عقول الجماهير، وأسس سلطة الداعين إليه. انتهى. وهذا اعتراف من الفلاسفة أن أقيستهم الجامدة العارية عن البلاغة والبيان لا تنفذ إلى قلوب الجماهير ولا تؤثر فيها، لأنها لا تفهمها. والله سبحانه حين يرسل رسوله وينزل كتابه، لا يرسله إلى الفلاسفة وحدهم، بل يرسله إلى جميع طبقات البشر كما قال تعالى في سورة اقتربت (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مذكر).
والمحققون من العلماء يعتقدون أن البرهان لا يحتاج إلى مقدمات شكلية، بل متى كان معنى المقدمات موجودا في أي عبارة بدون مغالطة يستنتج السامع والقارئ البرهان القاطع من تلك العبارة كيفما كانت. ومن تأمل محاورات الناس التي تجري بينهم في كل يوم يستطيع أن يستخرج منها جميع الأقيسة المنطقية. وإنما وضعت الأقيسة المنطقية لتدريب المفكرين. ويوضح لك ذلك أن الفرق المختلفة في العقائد كل واحدة منها تدعي أن الحق معها وتزن عقائدها بالميزان المنطقي وتستخرج النتائج المتفقة مع هواها. فإذا نظر فيها اللبيب يتبين له درها من مخثلبها وجيدها من زيفها ولا يروج عليه التمويه بالأقيسة الخطابية والشعرية والسفسطية. ومن نظر في المواعظ المروية عن المسيح عليه السلام في مجادلته لمعارضيه يرى كلامه موزونا بأدق الموازين المنطقية دون التزام أشكالها.
وتقدمت مناظرة إبراهيم الخليل عليه السلام لنمرود حين استعمل السفسطة فقال : أنا أحيي وأميت، فكيف جاءه بحجة دامغة لا تقبل المغالطة ولا السفسطة، وهي قوله : (فإن الله ياتي بالشمس من المشرق) الآية.
6- قول ديكارت : أن لفظة (الله) إن لفظت بها فإنما أعني بها هيولي لا نهاية لها أزلية دائمة مستقلة عالمة بكل شيء، إلخ.
قال محمد تقي الدين : الهيولي عند الفلاسفة هي مادة الكون التي منها تنشأ الصور والأشكال كالحيوان والنبات والجماد بجميع أنواعها، وإذا فنيت هذه الأشياء تصير هيولي كما كانت من قبل، وشبهها ابن عربي الحاتمي بالخشب، بالنسبة إلى الكراسي والموائد وألواح الكتابة والمقاعد والأسرة والسفن والقوارب والبيوت الخشبية، كل ذلك، وإن اختلفت صوره وأسماءه فهو ناشئ من الخشب، فمادته واحدة. وشبهها غيره بالبحر وأمواجه، فالأمواج، وإن اختلفت بالكبر والصغر، فهي راجعة إلى ماء البحر، ويمكن أن تشبه بالشمع الذي تصنع منه تماثيل حيوانات من أشكال الحلوى يشتريها الصبيان في العيد يفرحون بها، ثم يأكلونها، فالخشب هيولي الأدوات والأواني التي تصنع منه، وماء البحر هيولي الأمواج التي تثور منه. والشمع هيولي التماثيل التي تصنع منه. وما قاله ديكارت في الهيولي قد سبقه إليه الفلاسفة الأقدمون من اليونانيين والهنود فأفضى بهم ذلك إلى عقيدة وحدة الوجود، فزعموا أن المخلوق هو عين الخالق – تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا.
وأنا لم أسق كلام ديكارت وغيره من الفلاسفة موافقة لهم في آرائهم، وإنما سقته حجة على أدعياء الفلسفة من أهل هذا الزمان في زعمهم أن الفلسفة أوجبت عليهم الإلحاد والتعطيل. وإذا تأملت الدليل الثاني من أدلة ديكارت الثلاثة يتبين لك أنه لا يقصد ظاهرة تلك العبارة، بل ينزه الله عن مشابهة خلقه ويوحده، ولا يقول بوحدة الوجود. وكذلك ما تقدم من كلام أرسطو يدل على تنزيه الله تعالى عن مجانسة خلقه.
هذا وموعدنا المقال التالي بحول الله.