قال المؤلف: وإذا نظرت في المجهر ترى تحته أصغر حيوان وأصغر زهرة مزدانة بخطوط الجمال المحكم( صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون)، والخطوط البلورية من العناصر والمركبات من ندفة الثلج الكبرى إلى أصغر شكل منها تراها متقنة الصنع بشكل مدهش، حتى إن الفنان مهما بلغ في فنه فليس في إمكانه أن يزيد عليها شيئا. وغاية ما يقدر عليه أن يحاكيها أو ينتزع منها خطوطا وأشكالا فيؤلفها ويجمعها في شكل واحد، فكل ورقة من كل شجرة سليمة تراها قد برزت في أحسن صورة من الكمال، وترى ظاهر كل نبات قد وضع على صورة بتصميم خاص لخطوطه في فن رائع، وترى الأزهار قد صورت في غاية اختيرت لها من الجمال والكمال، وألوانها قد وزعت بشكل عجيب. إن الحيوان الكامل هو شيء جميل، وحركاته ممتلئة بالسهولة والفخامة، والوادي الأخضر والنهر، والأشجار الباسقة، وقمم الجبال المغطاة بالثلج، كل ذلك يحدث في النفس روعة وأثرا عظيما، وإن في منظر كثبان الرمال الممتدة في الصحراء المنتشرة فيها لبهجة عظيمة. وإن جلال تتابع أمواج المحيط وانكسارها على أرض الشاطئ، وتحليق الطير في الجو على البحر أو على شاطئه أو الغابة بألوانها الجميلة المختارة، كل ذلك يتحدى من له بصر يبصر به وعقل يعقل به ويقدر الأمور حق قدرها، وحركات الحيتان في سهولة ويسر وتموجات نبات البحر تحت الماء أسفل تملأ نفس الإنسان بمعنى من الانسجام يستجيب لما يتطلع إليه ويشتاقه، والطبيعة إذا لم يغيرها التحريف والتشويه تظهر مستعدة لتثير فينا أسمى وأجمل ما في نفوسنا من الشعور الباطن، وتوحي إلينا الإعجاب بصنع الخالق الأعلى الذي وهبنا هذه الهبة من الجمال، وهي نعمة لا يدركها إدراكا كاملا إلا الإنسان وحده، والجمال هو الذي يرفع الإنسان وحده إلى مرتبة يكون فيها قريبا من خالقه. ويظهر أن الغاية واحدة في جميع الأشياء من السنن الكونية الكبرى التي تسير العالم بإذن الله إلى الذرات التي تنبني عليها حياتنا، ولو لم يكن للتطور هدف غير إعداد مادة لتلقي الروح، لكان ذلك غرضا مدهشا في حد ذاته، وإذا كانت حقيقة الغاية مقبولة بالنسبة لجميع الأشياء، وصدقنا أن الإنسان هو أهم مظهر لتلك الغاية، فان الاعتقاد العلمي بأن جسم الإنسان وجهاز دماغه مادي يمكن أن يكون صحيحا تماما، فان الذرات والهباءات في المخلوقات المتصفة بالحياة تعمل أشياء عجيبة وتصنع أجهزة مدهشة. لكن مثل هذه الأجهزة ستبقى عديمة الفائدة إلا إذا حركها العقل حركات مقصودة ذات غرض، إذن فهناك مدبر لهذا الكون لا يستطيع العلم أن يحيط بكنهه، ولا أن ينسبه إلى المادة، ولن يتجرأ العلم أن يقول إنه مادي بل هو الخالق الأعلى الذي لا سبيل إلى الإحاطة بعلمه.
تعليقات انتهى هذا الفصل من كلام المؤلف، وقبل أن ندخل في الفصل الثاني ينبغي لنا أن نعلق على ما ترجمناه تعليقا يزيده وضوحا وبيانا: 1) قوله: وإذا نظرت في المجهر ترى تحته أصغر حيوان وأصغر زهرة مزدانة بخطوط الجمال المحكم الصنع،الخ... مقصود المؤلف بهذا الكلام أن العالم كله من أصغر حيوان لا يرى إلا بالمجهر إلى أكبر مخلوق كالشعرى مثلا، كل ذلك متحد في أحكام الصنع وإتقانه لا ترى فيه اختلافا ولا تفاوتا( ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير) فوحدة الصنع تدل على وحدة الصانع، وفي الشاهد أمثلة كثيرة، ولله المثل الأعلى، فإذا رأيت كتابا قد خط بخط جميل متشابه في كمال الحسن متجانس في أشكال حروفه سواء أكانت في أول الكلمة أم في وسطها أم في آخرها لا ترى فيها اختلافا، ولا ينقص جمال بعضها عن بعض، تعلم يقينا أن الذي كتب الكتاب شخص واحد، وأنه بذل عنايته وقصد إلى تحسين الخط وتجويده حتى جاء آية باهرة في الجمال، وإذا رأيت صورة في غاية الجمال والتناسق تعرف أن مصورا واحدا هو الذي رسم خطوطها ثم أتمها، وهكذا يقال في حدائق الأزهار وفي الزرابي الجميلة الثمينة إلى غير ذلك من المصنوعات، قال تعالى في سورة الأنبياء منددا بالمشركين الذين يأكلون خيره و يعبدون غيره (20/22) ( أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون، لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان رب العرش عما يصفون) قوله سبحانه ينشرون أي يحيون، ولا يستحق أن يعبد الا من يحيي ويميت، وأما من يحيا ويموت فعبادته من أسفه السفاهات، وقوله تعالى: ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا)، أي لو كان في السموات والأرض آلهة غير الله لاختل نظامهما وتباين وأعقبه الفساد.وقال تعالى في سورة المؤمنين-90-( ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذن لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون) قال في تفسير الجلالين: أي لو كان معه إله( لذهب كل إله بما خلق) أي انفرد به ومنع الآخر من الاستيلاء عليه( ولعلا بعضهم على بعض) مغالبة كفعل ملوك الدنيا ( سبحان الله) تنزيها له ( عما يصفونه به مما ذكر- وقال تعالى في سورة فاطر41( إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا) يعني أن الله يحفظ السموات والأرض كل منهما يدور في فلكه بغاية الإحكام والإتقان، ولولا حفظه لزالت السموات والأرض من أفلاكها، ولو زالت لما أمسكها أحد غيره. 2)قوله: والخطوط البلورية من العناصر والمركبات من ندفة الثلج إلى أصغر شكل منها تراها متقنة الصنع بشكل مدهش، حتى أن الفنان مهما بلغ في فنه فليس في إمكانه أن يزيد عليها شيئا وغاية ما يقدر عليه أن يحاكيها أو ينتزع منها خطوطا وأشكالا فيؤلفها ويجمعها في شكل واحد، ومن هذا تعلم أن الفنانين مهما بلغوا في جمال فنهم وأحكامه وإتقانه إنما هم محاكون ومقلدون لصنع الله العزيز العليم، الذي علم بالقلم علم إنسان ما لم يعلم، قال تعالى( ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون) البقرة 152. 3) قوله: والجمال هو الذي يرفع الإنسان وحده إلى مرتبة يكون فيها قريبا من خالقه، يعني أن النظر في عجائب مخلوقات الله يرفع الإنسان وحده دون غيره من الخلائق إلى درجة المراقبة، فيكون قريبا من الله تعالى قرب منزلة ومكانة، ويقرب من هذا المعنى ما ثبت في الصحيح عن حنظلة: أنه لقي أبا بكر الصديق فسلم عليه ابو بكر فرد عليه السلام ثم قال: كيف حالك يا حنظلة ؟ فقال: نافق حنظلة، قال: وما ذاك؟ قال: نكون عند رسول الله يذكرنا بالجنة والنار حتى كانا رأي عين فإذا خرجنا من عنده عافسنا الأزواج والأموال فنسينا كثيرا، قال أبو بكر وأنا أيضا أجد مثل ذلك، فانطلقا إلى النبي (صلى الله عليه و سلم) فسلم عليه حنظلة فرد النبي السلام عليه ثم قال: كيف حالك يا حنظلة؟ فقال حنظلة: نافق حنظلة يا رسول الله فقال رسول الله: وكيف ذاك؟ فقال: نكون عندك تذكرنا بالجنة والنار حتى كانا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأموال فنسينا كثيرا، فقال رسول الله(صلى الله عليه و سلم) : والذي نفسي بيده لو تدومون على ما تكونون عليه عندي لصافحتكم الملائكة في طرقكم وعلى فرشكم، ولكن ساعة وساعة، قوله: عافسنا الأزواج المعافسة المصارعة، والمراد الاستمتاع بهن، وعطف الأموال على الأزواج من باب علفتهــا تبنا ومـاء بـاردا ** حتى شتت همالـة عيناهـا أي علفتها تبنا وسقيتها ماء، وكذلك يقدر فعل في الحديث أي عافسنا الأزواج وخالطنا الأموال، وقوله: لصافحتكم الملائكة في طرقكم وعلى فرشكم، معناه أن المؤمن إذا ذكر الله خشع قلبه ولان وصعدت نفسه بالمراقبة إلى الملأ الأعلى حتى كأنه يشاهده، كما جاء في الحديث الآخر الذي رواه مسلم من حديث عمر بن الخطاب(أن تعبد الله كأنه تراه، فان لم تكن تراه فانه يراك) وهذه الحالة من المراقبة لا تدوم، لأنها لو دامت لعطلت مصالح الجسم وحاجاته، ولذلك قال النبي(صلى الله عليه و سلم) ساعة وساعة: أي ساعة لأداء حقوق الجسد وساعة لأداء حقوق الروح، وليس الاشتغال بحقوق الجسد من النفاق كما توهم حنظلة. 4) وقوله: لو لم يكن للتطور هدف غير إعداد مادة لتلقي الروح، لكان ذلك غرضا مدهشا في حد ذاته، يشير إلى أطوار خلق الإنسان حتى بلغ إلى ما هو عليه فاستحق التكريم بالعقل الذي جعله سيدا وحاكما على غيره من الحيوان والنبات والجمال على حسب رأيه ورأي من رافقه في التطور. 5) قوله: وإذا كانت حقيقة الغاية مقبولة بالنسبة لجميع الأشياء الخ...معناه يتخلص في ابتداء الخلق وتطوره حسبما يعترف به علماء المادة في حد ذاته أمر عجيب يدل على عظمة خالقه، ولكنه بدون عقل يدبر شؤونه مقصودا يكون عديم الجدوى. وهذا العقل وهبه الله الإنسان يدلنا دلالة قاطعة على أن لهذا الكون مدبرا حكيما عالما قديرا، ولن يتجرأ العلم أن يقول إن ذلك المدبر الحكيم مادة عمياء صماء لا علم لها ولا قصد ولا إرادة. وقد وصلنا إلى الفصل العاشر من الكتاب وهو فصل وحدات الوراثة، فنقتصر على هذا القدر وموعدنا الجزء التالي بحول الله.