جزء في تخريج حديث صاحب الشَّجَّة
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله , نحمده , ونستعينه , ونستغفره , ونعوذ بالله من شرور أنفسنا , ومن سيئات أعمالنا , من يهده الله فلا مضل له , ومن يضلل فلا هادي له , وأشهد ألا إله إلا الله , وحده لا شريك له , وأشهد أن محمداً عبده ورسوله , صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ,
أما بعد :
فإن حديث صاحب الشَّجَّة , من الأحاديث التى اختلفت أنظار العلماء في الحكم عليها صحةً وضعفاً , فأحببت في هذا الجزء المختصر تدقيق النظر في طرق الحديث من أجل الوصول إلى نتيجة أستفيد منها , ويستفيد منها غيري من طلبة العلم . ومن الله أستمد العون والتوفيق .
دراسة الحديث :
للحديث روايتان ؛ إحداهما رواية جابر بن عبدالله رضي الله عنهما , والأخرى رواية عبدالله بن عباس رضي الله عنهما .
أما رواية جابر رضي الله عنه , فهي من طريق عطاء بن أبي رباح , عَنْ جَابِرٍ قَالَ : خَرَجْنَا فِى سَفَرٍ فَأَصَابَ رَجُلاً مِنَّا حَجَرٌ فَشَجَّهُ فِى رَأْسِهِ ثُمَّ احْتَلَمَ فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ فَقَالَ هَلْ تَجِدُونَ لِى رُخْصَةً فِى التَّيَمُّمِ فَقَالُوا مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- أُخْبِرَ بِذَلِكَ فَقَالَ : ( قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ أَلاَّ سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِىِّ السُّؤَالُ إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِرَ ) أَوْ ( يَعْصِبَ ) شَكَّ الراوي ( عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ ) .
وله عن عطاء طريقان :
الأولى : من طريق الزبير بن خريق عن عطاء به
أخرجها من هذا الوجه أبو داود ( 336 ) , والدارقطني ( 1/189 )
وهذا إسناد ضعيف , الزبير بن خريق . قال عنه الحافظ في ( التقريب ) : ليِّن الحديث . وقد خالف في إسناده ومتنه , كما سيأتي .
والأخرى : من طريق مُرَّجى بن رجاء عن العرزمي عن عطاء به
أخرجه من هذا الوجه ابن عدي في ( الكامل – ترجمة مُرَّجى بن رجاء )
وهذا إسناد ضعيف جداً , العرزمي واسمه محمد بن عبيد الله , متروك الحديث . فهذا الإسناد شبه لا شيء , ولذا قال الدارقطني : لم يروه عن عطاء عن جابر غير الزبير بن خريق وليس بالقوي .
وحاصل ما تقدم أن الحديث لا يصح عن جابر رضي الله عنه .
أما رواية ابن عباس رضي الله عنهما فهي من طريق عطاء بن أبي رباح : أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يُخْبِرُ : أَنَّ رَجُلاً أَصَابَهُ جُرْحٌ فِى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ثُمَّ أَصَابَهُ احْتِلاَمٌ ، فَأُمِرَ بِالاِغْتِسَالِ ، فَاغْتَسَلَ فَكَزَّ فَمَاتَ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ : ( قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ ، أَلَمْ يَكُنْ شِفَاءُ الْعِىِّ السُّؤَالَ؟ ). قَالَ عَطَاءٌ : فَبَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : ( لَوْ غَسَلَ جَسَدَهُ وَتَرَكَ رَأْسَهُ حَيْثُ أَصَابَهُ الْجُرْحُ )
وله عن عطاء طريقان :
الأولى : من طريق الأوزاعي عن عطاء به
وهذا هو أمثل إسناد للحديث , ومن صحَّح الحديث فإنما صحَّحه لأجل هذا الإسناد , وهو إسناد معلول , وعلته الانقطاع بين الأوزاعي وعطاء , ودونك البيان :
فقد روي الحديث عن الإمام الأوزاعي جماعة من أصحابه , واختلفوا عليه على أربعة أوجه : منهم من جعله عن الأوزاعي بلاغاً عن عطاء , وهذه رواية الأكثر والأحفظ من أصحاب الأوزاعي , ومنهم من جعل الحديث عن الأوزاعي سماعاً من عطاء , وهذه رواية شاذة انفرد بها بشر بن بكر , كما سيأتي , ومنهم جعله عن الأوزاعي عن رجل عن عطاء , ومنهم من جعله عن الأوزاعي عن إسماعيل بن مسلم عن عطاء .
أما الذين رووا الحديث عن الأوزاعي بلاغاً عن عطاء , فهم :
1- أيوب بن سويد ( الدارقطني 1/191 )
2- أبو المغيرة ( أحمد 1/330 , الدارمي 752 , الدارقطني 1/192 )
3- الوليد بن مزيد ( الدارقطني 1/191 , البيهقي 1/227 )
4- محمد بن شعيب ( أبو داود 337 )
5- عبدالحميد بن حبيب بن أبي العشرين ( ابن ماجه 572 )
6- هقل بن زياد ( أبو يعلى 2420 , الدارقطني 1/190 , الحاكم 1/178 )
7- يحي بن عبدالله ( الدارقطني 1/192 )
8- الوليد بن مسلم ( العلل لابن أبي حاتم 77 )
أما مَن روى الحديث عن الأوزاعي سماعاً من عطاء , فهو بشر بن بكر , رواه الحاكم ( 1/178 ) وقد شذ بذكره سماع الأوزاعي من عطاء , وأشار الحاكم إلى هذه المخالفة لبشر بن الحكم بقوله عقب روايته للحديث : و قد رواه الهقل بن زياد و هو من أثبت أصحاب الأوزاعي و لم يذكر سماع الأوزاعي من عطاء . ا.هـ
وبشر بن الحكم , قال عنه الحافظ في ( التقريب ) : ثقة يُغرب .
قلت : وقد أغرب في هذه الرواية . وخالف الثقات الأثبات من أصحاب الأوزاعي .
أما من روى الحديث عن الأوزاعي عن رجل عن عطاء , فهو عبدالرزاق , ( المصنف 867 ) ومن طريقه الدارقطني ( 1/191 ) .
وقد بيَّن الإمامان الحافظان أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان الواسطةَ بين الأوزاعي وعطاء بن أبي رباح , حيث قال ابن أبي حاتم في كتابه ( العلل 77 ) : سألتُ أبي وأبا زُرعة ، عن حديثٍ ، رواه هقل والوليد بن مسلم وغيرهما عن الاوزاعي عن عطاء ، عن ابن عباس أن رجلا أصابته جراحة فأجنب فأمر بالاغتسال فاغتسل فكز فمات وذكرت لهما الحديث.
فقالا روى هذا الحديث ابن أبي العشرين عن الأوزاعي عن إِسماعيل ابن مسلم عن عطاء ، عن ابن عباس وأفسد الحديث. ا.هـ
قلت : وإسماعيل بن مسلم هو المكي . قال عنه في ( التقريب ) : ضعيف الحديث .
وأنبه إلى أن الإمام ابن ماجه روى الحديث من طريق ابن أبي العشرين عن الأوزاعي عن عطاء , ولم يذكر إسماعيل بن مسلم . وقد نقل الدارقطني كلام أبي زرعة وأبي حاتم في سننه , و وقع في النسخة المطبوعة من ( سنن الدارقطني ) تحريف في عبارة ( وأفسد الحديث ) حيث حُرِّفت إلى ( وأسند الحديث ) !
وحاصل ما تقدم أن طريق الأوزاعي عن عطاء في رواية هذا الحديث طريق ضعيف ؛ للانقطاع بين الأوزاعي وعطاء , وقد بيَّن الأئمة الحفاظ أن الواسطة بينهما هو إسماعيل بن مسلم , وهو ضعيف الحديث . أما الرواية التي فيها اتصال السند بسماع الأوزاعي للحديث من عطاء فهي رواية شاذة , لا يُعوَّل عليها , وبالله التوفيق .
الطريق الأخرى عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما
هي من طريق الوليد بن عبيد الله بن أبي رباح أن عطاء عمه حدثه عن ابن عباس أن رجلا أجنب في شتاء فسأل فأمر بالغسل فمات فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه و سلم فقال : ( ما لهم قتلوه ؟ قتلهم الله - ثلاثا - قد جعل الله الصعيد - أو التيمم - طهورا )
قال : شك ابن عباس ثم أثبته بعد .
من هذا الوجه أخرجه ابن الجارود في ( المنتقى 128 ) , وابن خزيمة ( 273 ) , وابن حبان ( 1314 ) , والحاكم ( 1/165 ) , والبيهقي ( 1/226 )
قال الحاكم : هذا حديث صحيح فإن الوليد بن عبيد الله هذا ابن أخي عطاء بن أبي رباح و هو قليل الحديث جدا و قد رواه الأوزاعي عن عطاء .
قلت : الوليد بن عبيد الله بن أبي رباح , ليس من رجال ( التهذيب ) , ترجمه الحافظ الذهبي في ( الميزان 4/341 ) فقال : ضعَّفه الدارقطني .
قلت : وضعَّفه البيهقي أيضاً في ( السنن لكبرى 6/6 ) , ولم أجد للوليد بن عبيدالله ذكراً في ( لسان الميزان ) للحافظ ابن حجر , فإما أن يكون سقط من النسخة المطبوعة , أو فات الحافظ أن يذكره , وهو على شرطه في الكتاب .
وعلى فرض ثبوت هذا الإسناد كما ذهب إليه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم , فليس فيه شاهد لحديث صاحب الشَّجَّة , لاختلاف الواقعة والحكم , ففي هذا الحديث شرعيةُ التيمم في اليوم البارد الذي يخشى فيه استعمال الماء , وهذا حكم ثابت في أحاديث أخرى صحيحة , أما حديث صاحب الشَّجَّة ففيه شرعية المسح على الخرقة الموضوعة على الشجة , أو الجمع بين المسح والتيمم , وهذا الحكم لم يأت في أحاديث أخرى صحيحة كالحكم الأول . وعليه فحديث الوليد بن عبيد الله بن أبي رباح ليس شاهداً لحديث صاحب الشَّجَّة , سواء أكان صحيحاً أم ضعيفاً , وهو إلى الضعف أقرب .
ولقد غفل مخرج ( منتقى ابن الجارود ) عن هذا الفرق بين الحديثين , أعني حديث الأوزاعي عن عطاء , وحديث الوليد بن عبيد الله عن عطاء , فساق التخريج والكلام عن حديث الأوزاعي , علماً بأن ابن الجارود لم يخرجه أصلاً , بل خرَّج حديث الوليد بن عبيد الله عن عمه عطاء .
وخلاصة البحث : أن حديث صاحب الشجة , حديث ضعيف , لا يُحتجُّ به , أما المسائل الواردة فيه , فأشير على سبيل الاختصار إلى مسألتين فقهيتين :
الأولى : التيمم عن العضو الممسوح . وبعبارة أخرى : الجمع بين المسح والتيمم .
والأخرى : المسح على الجبيرة , وما شابهها .
أما المسألة الأولى : فدليلها ما جاء في حديث جابر رضي الله عنه , حيث قال : ( إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِرَ ). أَوْ ( يَعْصِبَ ). شَكَّ الراوي ( عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ ) ولم يرد هذا الجمع بين المسح والتيمم في حديث ابن عباس رضي الله عنهما , فهذا السياق , أعني الجمع بين المسح والتيمم انفرد به الزبير بن خُريق عن عطاء عن جابر , والزبير ضعيف , كما تقدم .
قال الحافظ ابن حجر في ( التلخيص الحبير ) بعد ذكره رواية عطاء عن ابن عباس : لَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ هَذِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ذِكْرٌ لِلتَّيَمُّمِ فِيهِ ؛ فَثَبَتَ أَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ خُرَيق تَفَرَّدَ بِسِيَاقِهِ ، نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ الْقَطَّانِ . ا.هـ
والمقصود أن الجمع بين المسح على الجبيرة والتيمم , كما في رواية الزبير بن خُريق عن عطاء عن جابر , لا يُشرع ؛ لعدم ثبوته من جهة الأثر , ولضعفه من جهة النظر , فإن التيمم يكون بدلاً من الغسل أو الوضوء , وفي هذه الصورة جمع بين الغسل والتيمم , أي بين البدل وبين المبدل عنه . وهو خلاف الأصل .
أما المسألة الأخرى : المسح على الجبيرة , فقد ذهب إلى مشروعية المسح عليها جمهور العلماء , واحتجوا بأدلة , منها هذا الحديث , حديث صاحب الشجة بروايتيه ؛ رواية ابن عباس ورواية جابر رضي الله عنهم .
والاحتجاج بهذا الحديث على شرعية المسح على الجبيرة احتجاج ضعيف ؛ لضعف الحديث , لكن المسح على الجبيرة ثابت عن ابن عمر رضي الله عنهما من قوله وفعله , أخرجه عنه البيهقي ( 1/228 ) , وقال : هو عن بن عمر صحيح . ا.هـ
وأفتى بالمسح على الجبيرة فقهاء التابعين , قال البيهقي : لا يثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم في هذا الباب شئ ( يعني باب المسح على الجبيرة ) , وأصح ما روي فيه حديث عطاء بن أبي رباح الذي قد تقدم ( حديث صاحب الشَّجَّة ) وليس بالقوي , وإنما فيه قول الفقهاء من التابعين فمن بعدهم مع ما روينا عن بن عمر في المسح على العصابة والله أعلم .ا.هـ ( السنن الكبرى 1/228 )
وذهب ابن حزم في كتابه ( المحلى 2/74 ) إلى عدم شرعية المسح على الجبيرة , حيث قال : مَسْأَلَةٌ : وَمَنْ كَانَ عَلَى ذِرَاعَيْهِ أَوْ أَصَابِعِهِ أَوْ رِجْلَيْهِ جَبَائِرُ أَوْ دَوَاءٌ مُلْصَقٌ لِضَرُورَةٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ , وَقَدْ سَقَطَ حُكْمُ ذَلِكَ الْمَكَانِ , فَإِنْ سَقَطَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ تَمَامِ الْوُضُوءِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إمْسَاسُ ذَلِكَ الْمَكَانِ بِالْمَاءِ , وَهُوَ عَلَى طَهَارَتِهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلاَّ وُسْعَهَا } , وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّه ِ: ( إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) , فَسَقَطَ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ كُلُّ مَا عَجَزَ عَنْهُ الْمَرْءُ , وَكَانَ التَّعْوِيضُ مِنْهُ شَرْعًا , وَالشَّرْعُ لاَ يُلْزَمْ إلاَّ بِقُرْآنٍ أَوْ سُنَّةٍ , وَلَمْ يَأْتِ قُرْآنٌ ، وَلاَ سُنَّةٌ بِتَعْوِيضِ الْمَسْحِ عَلَى الْجَبَائِرِ وَالدَّوَاءِ مِنْ غَسْلِ مَا لاَ يَقْدِرُ عَلَى غَسْلِهِ , فَسَقَطَ الْقَوْلُ بِذَلِكَ .
ثم أورد بعض الأدلة الضعيفة في المسح على الجبيرة فردها , ثم قال : فإن قيل : قَدْ رَوَيْتُمْ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَلْقَمَ أُصْبُعَ رِجْلِهِ مَرَارَةً فَكَانَ يَمْسَحُ عَلَيْهَا.
قلنا : هَذَا فِعْلٌ مِنْهُ , وَلَيْسَ إيجَابًا لِلْمَسْحِ عَلَيْهَا , وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُدْخِلُ الْمَاءَ فِي بَاطِنِ عَيْنَيْهِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ , وَأَنْتُمْ لاَ تَرَوْنَ ذَلِكَ , فَضْلاً ، عَنْ أَنْ تُوجِبُوهُ فَرْضًا , وَصَحَّ أَنْ كَانَ يُجِيزُ بَيْعَ الْحَامِلِ وَاسْتِثْنَاءَ مَا فِي بَطْنِهَا , وَهَذَا عِنْدَكُمْ حَرَامٌ , وَمِنْ الْمَقْتِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ تَحْتَجُّوا بِهِ فِيمَا اشْتَهَيْتُمْ وَتُسْقِطُوا الْحُجَّةَ بِهِ حَيْثُ لَمْ تَشْتَهُوا , وَهَذَا عَظِيمٌ فِي الدِّينِ جِدًّا .ا.هـ
قلت : غفر الله للحافظ أبي محمد بن حزم ! فقد أكثر من هذا الأسلوب في مناقشة أقوال المخالفين , من أصحاب المذاهب الفقهية , وهو أسلوب تهويش وجدل , فإن الجمهور يأخذون بقول ابن عمر حيث يرون الصواب معه , ويتركون قوله حيث يرون أنه أخطأ في اجتهاده , وهو في مسألة المسح على الجبيرة مصيب إن شاء الله , و وافقه على قوله فقهاء التابعين , ولا يُعرف له مخالف من الصحابة , أما مسألة إدخال الماء في باطن العينين في الغسل , _ ولم أقف على أنه يفعل ذلك في الوضوء _ فهي من مفرداته التى لم يوافقه عليها أحد من العلماء بعده فيما أعلم , قال البيهقي رحمه الله في باب : نَضْحِ الْمَاءِ فِى الْعَيْنَيْنِ وَإِدْخَالِ الأَصْبَعِ فِى السُّرَّةِ. بعد أن ساق بإسناده إلى الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر : أَنَّهُ كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ نَضَحَ فِى عَيْنَيْهِ الْمَاءَ. قال البيهقي : قَالَ مَالِكٌ : لَيْسَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ . قَالَ الشَّافِعِىُّ : لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْضَحَ فِى عَيْنَيْهِ لأَنَّهُمَ لَيْسَتَا ظَاهِرَتَيْنِ مِنْ بَدَنِهِ. ( السنن الكبرى 1/177 )
فقد أنكر العلماء مذهبه رضي الله عنه في إدخال الماء في باطن العينين في الغسل , و وافقوه على مذهبه في المسح على الجبائر , وليست هذه الموافقة أو تلك المخالفة بالهوى والتشهي _ معاذ الله _ بل بالدليل والنظر الصحيح في أدلة الشرع ومقاصده وقواعده العامة , فكيف تُقاس مسألة تشهد لها مقاصد الشريعة وقال بها العلماء , أعنى مسألة المسح على الجبيرة , على مسألة تأباها مقاصد الشريعة ولم يقبلها العلماء , أعني إدخال الماء في باطن العين عند الغسل ؟ فالحافظ ابن حزم _ عفا الله عنه _ يُلزم الجمهور بما لا يَلزم , والله تعالى أعلم.