دواء الشاكين وقامع المشككين -12-
قال المؤلف: الفصل التاسع: تطور العقل
من أعجب العجب أنه لا يوجد في حياة الحيوان على كثرة أنواعه واختلافها ما يسجل له شيئا من العقل فليس له إلا الغرائز، فإذا جئنا إلى الإنسان نجد العقل خاصا به، فلم يوجد حيوان قط استطاع أن يرفع حجرا أو يعد عشرة أو يفهم معنى عشرة.
لقد أتيح لكثير من المخلوقات أن تظهر بغرائز وخواص بلغت فيها إلى درجة عالية من الذكاء، فمن ذلك أن الزنبور يصيد الجندب ويحفر له حفرة في الأرض، ويخزنه في مكان معلوم من جسمه حتى يفقد وعيه ويعيش على شكل اللحم المحفوظ في علبة مثلا، ثم تضع أنتاه بيضا في المكان المناسب بالضبط، ولعلها لا تعرف أن بيضها حين يتفقس يخرج أولادا يقتاتون من تلك الحشرة دون أن يقتلوها ولو قتلوها لكان ذلك خطرا عليها، ولا بد أن الزنابير فعلت ذلك من أول خلقها إلى يومنا هذا، ولولا ذلك لما بقي زنبور واحد على وجه الأرض، والعلم يقف حيرانا أمام هذا السر ولا يجد له تفسيرا، ومع ذلك لا يمكن أبدا أن يكون ذلك قد وقع على سبيل المصادفة، ثم تغطي أنثى الزنابير الحفرة التي تركت فيها أولادها وتنطلق مسرورة لأداء واجبها، ثم تموت، فلا هي ولا واحد من أسلافها الماضيات فكر في ذلك العمل ولا عرفت واحدة منهن ماذا يقع لأولادها، بل ولا عرفت أن سيكون لها أولاد، بل ولم تعرف أنها عاشت ولا أنها عملت عملا كفيلا بحفظ نوعها.
أما النحل والنمل فيظهر أنها تعرف كيف تنظم وتحكم جماعتها بنفسها، فإن لها جنودها وعمالها و عبيدها ويعاسيبها، ولو أنها التقطت قطعة من الكهرمان على شاطئ بحر البلطيق، لوجدتها تشتمل على نملة محبوسة منذ أزمنة طويلة تفوق العد، ولوجدتها نسخة طبق الأصل من النمل الموجود في هذا الزمان، فهل توقف التطور عن سيره في حق النمل حين وصل إلى النظام المناسب لبيئته في الطبيعة ؟ أو كان ذهن النملة الصغير آلة أقل من أن يصل إلى غرض أعلى مما هو عليه؟ لا شك من أن النمل من حيث أنها حشرة اجتماعية قد تعلمت كثيرا، ويظهر أنها ارتفقت إلى إدراك النظرية العجيبة وتطبيقها وهي (الخير الأكبر للعدد الأكبر) وتصل بذلك إلى النتيجة المنطقية كما فعل بعض أهل الهند الشرقية في الجيل الأخير، في بعض أنواع النمل تأتي العاملات منهن بالحب الصغير لتغذية غيرها من النمل إبان فصل الشتاء، ويعمل النمل ما يعرف ببيت الطحن، وفي ذلك البيت يطحن النمل الذي أوتي أفكاكا قوية خلقت بالقصد للطحن بتحضير الطعام لسكان تلك المستعمر، هذا هو شغلهم الخاص، وإذا جاء فصل الخريف وتم طحن الحبوب كلها تحقق المثل (الخير الأكبر للعدد الأكبر) وهذه القاعدة تستوجب حفظ الزاد من الطعام، ولما كان عدد النمل الطاحن سيكثر في الجيل الجديد فإن الجنود من النمل تقتل ذلك النمل الذي طحن الحب، ولعلها تجد في نفسها مسوغا لذلك القتل باعتقادها أن أولئك الطواحن المقتولات قد أخدن حقهن كاملا من الغذاء في وقت الطحن، يعني فبقاؤها يضيق الغذاء ويوقع البطالة في الجيل الآتي. ثم إن بعض أنواع النمل بسبب الغريزة أو بدافع التفكير(اختر منهما ما تشاء) يزرع الفطر وهو ما يسميها المغاربة (الفكاع) ويعمل منه مزارع تسمى حدائق الفطر ويصيد أنواعا معينة من الأرق ويسمى اليرق، وبالإنجليزية (كتربيلر) والدود الذي يسمى بالإنجليزية (قمل الأشجار) هذه المخلوقات هي ما يدعي بقر النمل أو معز النمل أن النمل يستخرج منها شيئا مائعا يشبه العسل يتغذى به، ومن شأن النمل أن يأسر أعداءه ويتخذهم عبيدا، وبعض النمل حين يعمل أعشاشه يقطع أوراق الشجر على حجم معين، وفي حين يضع بعض العملة من النمل الأطراف في مكانها تستخدم صغارها التي لا تزال في طور اليرق وهي قادرة على أن تغزل الحرير، وتجعله خيوطا لتخيط به تلك الأوراق بعضها مع بعض، وقد تحرم صغار النمل أنفسها من عمل بيت تستقر فيه بسبب ذلك الشغل الذي يعود بالخير على الجماعة إيثارا منها لمصلحة الجماعة على مصلحتها الخاصة.
فكيف تقدر ذرات المادة وهباءاتها التي يتألف منها جسم النملة أن تقوم بهذه الأعمال المعقدة؟ فلا بد أن يكون هناك خالق عالم قدير يدير ذلك وغيره. والإنسان وحده هو الذي أوتي عقلا تطور إلى حد أنه يقدر به أن يفكر تفكيرا عاليا عظيما. فالغريزة تشبه نغمة واحدة من نغمات الشبابة المعروفة بالناي، وهي نغمة جميلة( 1)، ولكنها محدودة، على حين نرى العقل البشري يشتمل على جميع النغمات التي تحتوي عليها كل الالآت الموسيقية التي يتألف منها الجوق الذي يسمى (اوركستر) والإنسان هو الذي يقدر أن يؤلف تلك النغمات ويخرج من مجموعها للعالم معزوفات «سمفونيات» موزونة كاملة من الفكر تقارب المعجزة. ولم تخرج العناية الربانية مخلوقا حيا من الصخور الطبيعية الأولى: مخلوقا له عقل مرن مثل عقل الإنسان. إذا صار ذلك معلوما فنحن نقدر أن ندرك قابلية الإنسان أن يتلقى قبسا من رب العالمين يجعله سيدا في الأرض، عجيبا في مزاياه خالدا فيما قدره الله له.
إن التطور لابد له حسب القوانين الكيميائية والطبيعية أن يقصر أقصى حدوده على أعظم ما يمكن من مناسبة ما حوله، ولا يتجاوز ذلك، فجمال ريش طائر هو إظهار لجاذبية التزاوج بين الذكور والإناث، وبذلك يمكن تعليله، غير أن الطلاء الجميل ليس ضروريا لوجود الإنسان، وإن كانت المرأة الجميلة موجودة، إن المادة من الذرات والصخور والماء يمكن أن تتحد، وإذا أعطيت الحياة يمكن أن تتطور إلى إنسان، ولكن هذه العناصر بعد أن تتم مناسبته للبيئة الطبيعية، أيمكنها أن تسير إلى الأمام وتنتج أستاذا موسيقيا يستطيع أن يكتب نغمات «نوتات» على القرطاس، ويسجل تناسبها الجميل ويصنع «بيانو» يستولي به على ألباب المستمعين ويسحرهم بنغماته، ثم يسجل معزوفاته على أقراص من البلاستيك تذاع في العالم بمحطة إذاعة بواسطة الأثير، ولاتعرف الذرات من أمره شيئا غير أنها موجودة فيه؟ إن بعض أنواع الحيوانات تتعاون في شؤونها وتوحد جهودها فلا تصيد إلا في حال الجماعات، فتجمع غذاءها وتخزنه للمستقبل، وتضاعف جهودها الفردية بالعمل المشترك، ولكنها مع ذلك تظهر أنها لا تتقدم ولا خطوة واحدة إلى الأمام. أما الإنسان فإنه ضاعف قوته الفردية ووحد جهوده حتى بنى الأهرام ولم يقف عند الحد، بل اكتشف الآلة الرافعة، والبكرة المساعدة عل رفع الأثقال بالحبال، والعجلة التي تسهل الجر ، والنار. وراض الحيوان حتى عوده حمل الأثقال وغير ذلك من الأعمال، وأضاف إلى قوة الحيوان العجلات، فسهل عليه بذلك العمل وزاد في قدرته وسرعة سيره وقوى ظهره، وتغلب على قوة سقوط الماء فصرفه فيما ينفعه، واستخدم البخار والغاز والكهرباء، وانتقل من العمل باليد إلى اختراع الالآت الميكانيكية، وصار يسيطر عليها ويستخدمها في أغراضه فضاعف بذاك عمله وسهله على نفسه، وكل أولئك من بنات فكره ونور عقله. ثم هو في تنقلاته من مكان إلى مكان قد اخترع آلة جعلته يسبق الظبي في سرعة عدوه، ثم صنع عربة وركب لها أجنحة فحلق بها في الجو وسبق طير السماء في سرعة الطيران، فهل وقع ذلك بتفاعل مادي على سبيل المصادفة؟ ويظهر أن الجمال ملازم لطبيعة الكون في كل شيء، فمن ذاك جمال السحاب، وقوس قزح، والسماء الزرقاء، والبهجة الرائعة التي تعتري الإنسان حين يراقب النجوم، والقمر الطالع والشمس في وقت الغروب، وجمال الظهر وجلاله، كل ذلك يهز مشاعر الإنسان ويسحره.
تعليقات :
1) الزنبور : حشرة صغيرة تشبه النحلة له لسع شديد ومن ذلك المسألة الزنبورية وهي مسألة يقال أن سيبويه اختلف مع الكسائي . فقال الكسائي بحضرة هارون الرشيد كنت أحسب أن العقرب أشد لسعا من الزنبور فإذا هو إياها، فقال سيبوية: أخطأت. الصواب أن تقول: فإذا هو هي. فقال الكسائي: لم أخطىء. فقال سيبويه: هؤلاء العرب بالباب يعني فصحاء البادية الذين لم يختلطوا بالعجم ولم تفسد لغتهم. فرضي بذاك الكسائي وبعت إلى العرب وأمرهم بأن يصوبوا رأيه إذا سئلوا فاستجابوا له لعلو منزلته عند الرشيد وأولاده. فدعي العرب فجاءوا وخاف الكسائي أن يطلب منهم النطق بهذه الجملة فينطقوا بها على ما قال سيبويه وهو الصواب، فقال الكسائي: (كنت أحسب أن العقرب أشد لسعا من الزنبور فإذا هو إياها) وقال سيبويه:(فإذا هو هي) فقال العرب: الحق مع الكسائي، فحزن سيبويه ومات غما، والدليل أن الحق مع سيبويه أن ضمير إياها من ضمائر النصب، والموضع يتطلب ضمير رفع لأنه موضع خبر المبتدأ. ثم نعود إلى المقصود بالذات فنقول: إن الزنبور حين يصيد الجندب الوثاب الذي يكون في الزرع يجري له ذلك العمل الجراحي في مكان معين من جسمه بإبرته التي هي جزء من جسمه لم يدرس علم التشريح ولم يتمرن على الجراحة والعلاج في أي مستشفى فكيف عرف الجسم المناسب من جسم الجندب وكيف قدر على إجراء تلك الجراحة بلا تعلم ولا تمرين؟ وكيف عرف أن الجندب بسبب تلك الجراحة يبقى على قيد الحياة ولكنه لا يستطيع الفرار؟ وكيف عرف أن بيضه سيتفقس بعد أن يصبح في خبر كان، وأن ذلك الجندب أفضل غداء لأولاده بعد خروجهم من البيضة؟ وكيف عرف الأولاد أن لحم الجندب إنما يكون هنيئا مريئا إذا تغذوا به وهو حي؟ فإذا أكلوا لحمه وهو ميت يكون سما قاتلا؟ إن الإنسان الذي هو أشرف المخلوقات يعجز كل العجز عن إدراك هذا السر فكيف بالعلم به أو القدرة عليه، ألا يدل ذلك دلالة قطعية على أن وراء هذا السر مدبرا حكيما عليما يسر كل شيء لما خُلق له عرف ذلك أم لا يعرفه فتبارك الله أحسن الخالقين.
2) قول المؤلف: كما فعل بعض أهل الهند الشرقية لا أدري ما يريد به مع أنني قمت في الهند سنين وجلت في ربعها من بمباي وكراتشي غربا إلى كلته شرقا ولي في تلك البلاد تلاميذ وأصدقاء كثير، فالرجاء من كل قارئ يفهم ما يريد المؤلف بتلك العبارة وخصوصا صديقنا الأستاذ المودودي ( 2) وصاحبه تلميذي البر محمد عاصم الحداد أن يكتب إلى مجلة دعوة الحق بما يوضح مراد المؤلف، وأما القاعدة الاجتماعية التي قال المصنف لعل النمل قد توصل إلى إدراكها وهي (الخير الأكبر للعدد الأكبر) فيدل قوله تعالى في سورة المائدة: (وتعاونوا على البر والتقوى) وقوله النبي (صلى الله عليه و سلم): " يد الله مع الجماعة". وقوله تعالى: ( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) وقوله تعالى: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم) وقوله تعالى : (وأمرهم شورى بينهم) إلى غير ذلك من النصوص.
3) قال المؤلف : بسبب الغريزة أو بدافع التفكير (اختر منهما ما تشاء) يعني أن تلك الأعمال التي يقوم بها النمل تحيرت الألباب في مصدرها ومنشئها، فإن قلنا أنها ناشئة عن غريزة حيوانية فإن عقولنا تستكثر ذلك وتستعظمه على الغرائز الحيوانية وإن قلنا أن ذلك ناشئ عن تفكير فالتفكير يقتضي وجود العقل، لذلك خير المصنف قارئ كتابه أن يختار أي الرأيين يريد، وهنا يجيء المثل العامي (خيره تحيره).
4) كثيرا ما أجد المؤلفين من العرب في علم الحيوان والنبات قد اصطلحوا على ألفاظ يزعمون أنها عربية، ولا أجد لها أصلا في المعاجم العربية ولم يبقوها على لفظها الأعجمي، فأعدل عن الكلمة التي اصطلحوا عليها عمدا واكتفي بتفسير اللفظ الأعجمي إلى الحد الذي أظن معه أن القارئ يفهمه فيتوهم بعضهم أني لم أعرف تلك الكلمات المصطلح عليها. ومن ثم نشأ الاعتراض الذي أشرت إليه في الجزء الذي قبل هذا، وسبب هذا الارتباك والفوضى تقصير الأمة العربية دولا وجماعات في ضبط الأدب العربي واللغة العربية بوضع معاجم وافية شافية لجميع الألفاظ اللغوية والعلمية والأعلام بأنواعها فضلا عن موسوعة تجمع الآداب والعلوم العربية.
----------------------------
1- - و لكنها محرمة في دين الإسلام .
2- المودودي على غير الجادة السلفية ، و قد كتب في بيان حاله ثلة من أهل العلم .