الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،،، أما بعد: فقد دار نقاش بيني وبين أحد إخواني من طلبة العلم، حول مسمى الإيمان عند مرجئة الفقهاء، وهل الخلاف بينهم وبين أهل السنة، أنهم يخرجون أعمال الجوارح من مسمى الإيمان فحسب، أم أنهم يخرجون العمل مطلقاً، عمل القلب وعمل الجوارح؟ ولا شك أن هذا "مما ينبغي الاعتناء به، فإن كثيراً ممن تكلم في مسألة الإيمان، هل تدخل فيه الأعمال؟ وهل هو قول وعمل؟ يظن أن النزاع إنما هو في أعمال الجوارح، وأن المراد بالقول قول اللسان، وهذا غلط"اهـ(مجموع الفتاوى 7/550) فما هي حقيقة قول مرجئة الفقهاء في الإيمان، وهل يدخلون أعمال القلوب فيه، أم لا يدخلونها؟ الذي يُفهم من كلام ابن تيمية -رحمه الله- عند إيراده لقول مرجئة الفقهاء في الإيمان ومناقشته لهم، أنهم لا يدخلون أعمال القلوب، لأن الإيمان عندهم ليس إلا تصديق القلب وقول اللسان. ومرادهم بالتصديق: قول القلب الذي هو علمه، أو معنى غير العلم، وهذا يعني أن الإيمان -عندهم- ليس إلا قول فقط، قول القلب الذي هو التصديق، وقول اللسان الذي هو النطق بالشهادتين. وعلى هذا فالعمل -عندهم- ليس داخلاً فيه، لا عمل القلب، ولا عمل الجوارح. قال -رحمه الله-: "ومن هنا غلطت الجهمية والمرجئة، فإنهم جعلوا الإيمان من باب القول. إما قول القلب الذي هو علمه، أم معنى غير العلم عند من يقول بذلك، وهذا قول الجهمية ومن تبعهم كأكثر الأشعرية وبعض متأخري الحنفية. وإما قول القلب واللسان، كالقول المشهور عن المرجئة. ولم يجعلوا عمل القلب مثل حب الله ورسوله، ومثل خوف الله، من الإيمان، فغلطوا في هذا الأصل"اهـ (جامع المسائل 5/246) وهذا معنى ما روي عن الإمام أحمد -رحمه الله- عند ما سئل عن المرجئة، فقال: "الذين يقولون: الإيمان قول بلا عمل([1])"اهـ (السنة للخلال 2/33) وقال -رحمه الله-: "من يقول: إنما الإيمان قول. هذا قول أهل الإرجاء، قول محدث لم يكن عليه سلفنا ومن نقتدي به"اهـ (السنة للخلال 2/14) وكذلك قول وكيع، وغيره من أئمة أهل السنة: "أهل السنة يقولون: الإيمان قول وعمل. والمرجئة يقولون: الإيمان قول. والجهمية يقولون: الإيمان المعرفة"اهـ (مجموع الفتاوى 7/307) ومن ذلك قول الفضيل بن عياض" أهـل الإرجاء -إرجاء الفقهاء- يقولون: الإيمان قول بلا عمل، وتقولالجهمية: الإيمان المعرفة بلا قول ولا عمل، ويقول أهل السنة: الإيمان المعرفةوالقول والعمل"اهـ (السنة لعبدالله بن أحمد ص 270) فالمرجئة حصروا الإيمان في باب القول فقط، مع اختلافهم أي القول يدخل في الإيمان؟ هل قول القلب فقط، كما تقوله الجهمية، أو قول اللسان فقط، كما تقوله الكرامية، أو قول القلب واللسان، كما تقوله مرجئة الفقهاء الذين ظنوا أنه لا يقوم بالقلب إلا التصديق فقط. لذلك كان شعار السلف الذي فارقوا به المرجئة هو أن الإيمان "قول وعمل".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "والمرجئة الذين قالوا: الإيمان تصديق القلب وقول اللسان والأعمال ليست منه، كان منهم طائفة من فقهاء الكوفة وعبادها؛ ولم يكن قولهم مثل قول جهم؛ فعرفوا أن الإنسان لا يكون مؤمناً إن لم يتكلم بالإيمان مع قدرته عليه، وعرفوا أن إبليس وفرعون وغيرهما كفار مع تصديق قلوبهم، لكنهم إذا لم يدخلوا أعمال القلوب في الإيمان لزمهم قول جهم، وإن أدخلوها في الإيمان لزمهم دخول أعمال الجوارح أيضاً فإنها لازمة لها"اهـ (مجموع الفتاوى 7/194) فيفهم مِن قوله هذا، أن مرجئة الفقهاء خالفوا جهماً بأن أضافوا إلى قول القلب (الذي هو التصديق) قول اللسان، لكنهم وافقوه في عدم إدخالهم أعمال القلوب، لذلك ألزمهم شيخ الإسلام -رحمه الله- بأنهم إذا لم يدخلوا (أعمال القلوب) لزمهم قول جهم، وإن أدخلوها لزمهم دخول (أعمال الجوارح) أيضاً فإنها لازمة لها. قال -رحمه الله-: "فإخراجهم العمل يشعر أنهم أخرجوا أعمال القلوب أيضاً، وهذا باطل قطعاً، فإن من صدق الرسول وأبغضه وعاداه بقلبه وبدنه فهو كافر قطعاً بالضرورة، وإن أدخلوا أعمال القلوب في الإيمان أخطئوا أيضاً؛ لامتناع قيام الإيمان بالقلب من غير حركة بدن"اهـ (مجموع الفتاوى 7/556) فالذي عليه مرجئة الفقهاء هو إخراج أعمال القلوب من الإيمان، وإن كان ما سبق من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- ليس فيه ما يفيد ذلك صراحة، إلا أن ما سيأتي من كلامه، سيزيد المسألة وضوحاً. قال -رحمه الله-:"فقد أخبر سبحانه أن هؤلاء ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى وأن الشيطان سول لهم وأملى لهم، أي وسع لهم في العمر، وكان هذا بسبب وعدهم للكفار بالموافقة، فقال: "ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر". ولهذا فسر السلف هؤلاء الذين كرهوا ما أنزل الله -الذين كانوا سبب نزول هذه الآية- بالمنافقين واليهود. قالت الوعيدية: الله تعالى إنما وصفهم بمجرد كراهة ما نزل الله، والكراهة عمل القلب. وعند الجهمية الإيمان مجرد تصديق القلب وعلمه، هذا قول جهم والصالحي والأشعري في المشهور عنه وأكثر أصحابه، وعند فقهاء المرجئة هو قول اللسان مع تصديق القلب. وعلى القولين أعمال القلوب ليست من الإيمان عندهم كأعمال الجوارح، فيمكن أن يكون الرجل مصدقاً بلسانه وقلبه مع كراهة ما نزل الله، وحينئذ فلا يكون هذا كافر عندهم، والآية تتناوله وإذا دلت على كفره دلت على فساد قولهم"اهـ (منهاج السنة النبوية 5/287-288) فقوله -رحمه الله-:"وعلى القولين، أعمال القلوب ليست من الإيمان " أي على قول الجهمية ومن وافقهم، وقول ومرجئة الفقهاء. وقال أيضاً -رحمه الله-:"والمرجئة ثلاثة أصناف؛ الذين يقولون: الإيمان مجرد ما في القلب، ثم من هؤلاء من يدخل فيه أعمال القلوب وهم أكثر فرق المرجئة، كما قد ذكر أبو الحسن الأشعري أقوالهم في كتابه، وذكر فرقاً كثيرة يطول ذكرهم، لكن ذكرنا جمل أقوالهم، ومنهم من لا يدخلها في الإيمان كجهم ومن اتبعه كالصالحي، وهذا الذي نصره هو وأكثر أصحابه. والقول الثاني: من يقول: هو مجرد قول اللسان وهذا لا يعرف لأحد قبل الكرامية. والثالث: تصديق القلب وقول اللسان، وهذا هو المشهور عن أهل الفقه والعبادة منهم"اهـ (مجموع الفتاوى 7/195) فأفاد قوله هذا: أن أكثر فرق المرجئة يدخلون أعمال القلوب في الإيمان، وأن طائفة منهم لا يدخلونها، وهم: 1- الجهمية الذين يقولون: "الإيمان المعرفة". 2- الكرامية الذين يقولون: "الإيمان قول اللسان". 3- فقهاء المرجئة الذين يقولون: "الإيمان تصديق القلب وقول اللسان". وقال أيضاً -رحمه الله-:"ولفظ الإيمان؛ قيل أصله التصديق -وليس مطابقاً له؛ بل لا بد أن يكون تصديقاً عن غيب وإلا فالخبر عن مشهود ليس تصديقه إيماناً؛ لأنه من الأمن الذي هو الطمأنينة، وهذا إنما يكون في المخبر الذي قد يقع فيه ريب، والمشهودات لا ريب فيها إلا على هذا- فإما تصديق القلب فقط كما تقول الجهمية ومن اتبعهم من الأشعرية، وإما القلب واللسان كما تقوله المرجئة، أو باللسان كما تقوله الكرامية. وإما التصديق بالقلب والقول والعمل، فإن الجميع يدخل في مسمى التصديق على مذهب أهل الحديث كما فسره شيخ الإسلام وغيره([2])"اهـ(مجموع الفتاوى 7/636-637) وقوله هنا أفاد: أن مذهب السلف الصالح -رضوان الله عليهم- يخالف مذهب المرجئة، في أن التصديق عند السلف أصحاب الحديث يكون بالعمل (عمل القلب وعمل الجوارح) كما يكون بالقلب وبالقول، بينما المرجئة بفرقها (الجهمية، والأشاعرة، والكرامية، ومرجئة الفقهاء) يجعلون الإيمان من باب القول، أي التصديق بـ (القلب واللسان) فقط، على اختلاف بينهم في ذلك، سبق بيانه من قوله السابق -رحمه الله-:"ومن هنا غلطت الجهمية والمرجئة، فإنهم جعلوا الإيمان من باب القول. إما قول القلب الذي هو علمه، أم معنى غير العلم عند من يقول بذلك، وهذا قول الجهمية ومن تبعهم كأكثر الأشعرية وبعض متأخري الحنفية. وإما قول القلب واللسان، كالقول المشهور عن المرجئة. ولم يجعلوا عمل القلب مثل حب الله ورسوله، ومثل خوف الله، من الإيمان، فغلطوا في هذا الأصل". وقال -رحمه الله-:"فإن الإيمان أصله؛ الإيمان الذي في القلب ولا بد فيه من شيئين: تصديق بالقلب وإقراره ومعرفته. ويقال: قول القلب([3]) قال الجنيد بن محمد: التوحيد: قول القلب. والتوكل: عمل القلب، فلا بد فيه من قول القلب وعمله؛ ثم قول البدن وعمله، ولا بد فيه من عمل القلب، مثل حب الله ورسوله وخشية الله وحب ما يحبه الله ورسوله وبغض ما يبغضه الله ورسوله وإخلاص العمل لله وحده وتوكل القلب على الله وحده، وغير ذلك من أعمال القلوب التي أوجبها الله ورسوله وجعلها من الإيمان"اهـ (مجموع الفتاوى 7/186) ويؤيد ذلك؛ صنيع ابن أبي العز -رحمه الله- حيث تعقب الطحاوي -رحمه الله- في قوله في عقيدته:"وحبهم دين وإيمان وإحسان"اهـ فقال معلقاً: "وتسمية حب الصحابة إيماناً مشكل على الشيخ رحمه الله، لأن الحب عمل القلب وليس هو التصديق، فيكون العمل داخلاً في مسمى الإيمان، وقد تقدم في كلامه أن الإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان، ولم يجعل العمل داخلاً في مسمى الإيمان، وهذا هو المعروف من مذهب أبي حنيفة،([4]) إلا أن تكون هذه التسمية مجازاً"اهـ (شرح العقيدة الطحاوية ص471) وقال كذلك: "ولا خلاف بين أهل السنة أن الله تعالى أراد من العباد القول والعمل، وأعني بالقول: التصديق بالقلب والإقرار باللسان، وهذا الذي يُعنى به عند إطلاق قولهم: الإيمان قول وعمل"اهـ (شرح العقيدة الطحاوية ص333) وهذا يدل على أن فقهاء المرجئة لا يدخلون أعمال القلوب في الإيمان، وإن أدخلها بعضهم، فباعتبار أن القلب ليس فيه إلا عمل واحد، وهو الاعتقاد والتصديق والمعرفة، أما بقية أعمال القلب فلا. فتلخص مما سبق أن الإيمان عند مرجئة الفقهاء، محصور في قول القلب وقول اللسان، أما عمل القلب فليس داخلاً فيه، فضلاً عن دخول عمل الجوارح. هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.
وكتب
عماد فراج
في 5/8/1430هـ
[1]- ولا يقال: إنما عني بهذا القول "الكرامية" لأن الكرامية لم تظهر مقالتهم إلا بعد زمنه، فهي آخر المقالات حدوثاً في الإيمان، لذلك فهو يعني قطعاً مرجئة الفقهاء.
[3] - وهذا الذي أقرت به مرجئة الفقهاء، وهو معنى التصديق عندهم.
[4] - في طبعة المكتب الإسلامي بتحقيق الشيخ ناصر رحمه الله (الطبعة الثامنة 1404هـ -1984م ص 471) "مذهب أهل السنة"!! وهو تصحيف فاحش. والتصحيح من نسخة الشيخ أحمد شاكر رحمه الله.