مكتبات إلكترونية و موسوعات إسلامية شاملة

  الشيخ ربيع بن هادي المدخلي: المغراوي من أهل الباطل    &&     عثمان الأعميري: وصايا وتوجيهات     &&     عثمان الأعميري: لقاء منهجي -تمارة    &&     محمد أمان الجامي: عقيدتنا    &&     كتب الردود: تنزيه الشريعة الإسلامية وحملتها من فتـنة الاختلاط الحلقة الأولى    &&     مقـالات إسلامية: التحذير من الدخول في الانتخابات السياسية     &&     دلـــيــل مــواقــع: موقع الشيخ بدر بن طامي العتيبي    &&     كتب العقيدة الإسلامية: البدع طريق إلى الشرك (المولد كنموذج)     &&     مكتبات الكتـرونية: مكتبة العلامة المحقق عبد الرحمن المعلمي اليماني ( مع نسخة للشاملة )    &&     مكتبات الكتـرونية: مكتبة الشيخ عماد الدين آل فراج ( مع نسخة للشاملة )    &&  

جديد الموقع

مكتبة المغرب الأقصى الإسلامية | مقـالات إسلامية >> نقد مقال العوائق النفسانية للتخطيط -2-

    

مقـالات إسلامية

العنوان :نقد مقال العوائق النفسانية للتخطيط -2-
 

نقد مقال العوائق النفسانية للتخطيط -2-

3- قوله : أما تطوير الإيمان بسيطرة الغريزة فهو يجتاز أزمة عميقة في بلداننا العربية، نتيجة العلم الذي بدأ يشرح بعض الظواهر الطبيعية الغامضة، والتي ساد الاعتقاد الخاطئ أنها وظيفة الله.

 

تقدم الرد على صدر هذه العبارات، وبقي عجزها، وهو قوله (والتي ساد الاعتقاد الخاطئ أنها وظيفة الله). هل هذا الكاتب لا يعرف اللغة العربية، ولا ندري هل يعرف اللغات العجمية أم لا، ويضاف إلى جهله باللغة العربية عدم الإخلاص في البحث والدرس وسوء القصد وإرادة الاستفزاز بإطلاق العبارات الخارجة عن الموضوع ليرضى بها من أشلوه للعض والنباح، وإلا فكيف يطلق على الله خالق السموات والأرض ومدير شؤونهما،أن له وظيفة. قال الفيروز أبادي في القاموس و( (الوظيفة) كسفينة ما يقدر لك في اليوم من طعام أو رزق ونحوه والعهد والشرط. ج وظائف ووظف بضمتين. والتوظيف تعيين الوظيفة) انتهى. فكل موظف بالفتح له موظف بالكسر، وهو الذي يقدر له وظيفته، والله رب العالمين وخالقهم ورازقهم، وهو الذي يحيي ويميت بيده ملكوت كل شيء، وهو يجير ولا يجار عليه، ويحكم ولا يحكم عليه، ولولا سوء القصد والجهل باللغة العربية لقال بدل تلك العبارة، لقد كشف العلم أمورا كان بعض الناس يظن أنها خاصة بالله لا يقدر عليها غيره، وذلك كالقضاء على بعض الأمراض المعدية، كالجدري وحصر الأوبئة في مكان معين، ثم القضاء عليها بالعلاج، والتزود بالهواء والطعام والآلات التي تصل بالمراسلة والمحادثة الخارج من جو الأرض بأهل الأرض. وهذه الأمور نفسها هي من فعل الله أيضا، لأنه هو الذي خلق العقول التي اخترعتها، وهو الذي وهب الحياة والقدرة للقائمين بها. وقد ظهرت أمور كثيرة، كالراديو والتلفزيون والطيران والمكالمات التلفونية، كان الناس يظنونها من خوارق العادات، ثم أصبحت عادية. ولا يوجد في الكتاب ولا في السنة ما يدل بأي نوع من أنواع الدلالة على أن تلك الأمور خارجة عن طاقة الإنسان. بل جاءت الإشارة الواضحة إليها في الكتاب العزيز في قوله تعالى في سورة النحل 8 (والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة، ويخلق ما لا تعلمون) يعني ويخلق ما لا تعلمون من المركوبات كالطائرات والسفن الهوائية والبواخر المواخر للبحور والسيارات والقطر. ومما قد ذكره أمثال هذا المهوس، ما كان العامة يظنونه، من أن الأرض غير كروية وينسبونه للقرآن في قوله تعالى في سورة الغاشية 20 (والأرض كيف سطحت) هذا لا يعتقده إلا العامة. أما العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، والغزالي، وابن رشد، والنيسابوري، فقد صرحوا وأقاموا الحجج على أن الأرض كرة. وقد يذكر بعض المهوسين، اكتشاف دوران الأرض على نفسها وحول الشمس، ولم يتعرض له القرآن بنفي البتة، بل أشار إليه في قوله تعالى في سورة يس بعد ذكر الأرض والشمس والقمر، (وكل في فلك يسبحون) 40. أما ما صرح القرآن بأنه خاص بالله تعالى كخلق السموات والأرض بإنسانها وحيوانها ونباتها وما أودع في ذلك من الأسرار ودقة الصنع والتدبير الذي يستحيل عند كل من كانت له ذرة من العقل أن يكون وليد المصادفة والاتفاق. قال الله تعالى في سورة الحج في الرد على المشركين 73 :  «يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له، إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا، ولو اجتمعوا له، وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه، ضعف الطالب والمطلوب» هذا هو التحدي المخزي، فهل وجد في هذه القرون الطوال منذ نزول هذه الآية إلى الآن من استطاع أن يخلق ذباب فضلا عن غيره. وقال تعالى في سورة الأنبياء 35 «كل نفس ذائقة الموت» فهل استطاع العلم المزعوم أن يخلد أحدا من الناس أو من الحيوان أو من النبات. وقال تعالى في سورة الأنعام 59 : «وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو، ويعلم ما في البر والبحر، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين» وقال تعالى في آخر سورة لقمان «إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث، ويعلم ما في الأرحام، وما تدري نفس ماذا تكسب غدا، وما تدري نفس بأي أرض تموت، إن الله عليم خبير» قال الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية :  

هذه مفاتيح الغيب التي استأثر الله بعلمها فلا يعلمها أحد إلا بعد إعلامه تعالى بها، فعلم وقت الساعة، لا يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرب، لا يجليها لوقتها إلا هو، وكذلك إنزال الغيث، لا يعلمه إلا الله، ولكن إذا أمر به علمته الملائكة الموكلون بذلك، ومن شاء الله من خلقه. وكذلك لا يعلم ما في الأرحام مما يريد أن يخلفه تعالى سواه، ولكن إذا أمر بكونه ذكرا أو أنثى أو شقيا أو سعيدا، على الملائكة الموكلون بذلك، ومن شاء الله من خلقه. وكذلك لا تدري نفس ماذا تكسب غدا في دنياها وأخراها. وما تدري نفس بأي أرض تموت في بلدها أم في غيره من أي بلاد الله كان، لا علم لأحد بذلك. وهذه شبيهة بقوله تعالى : (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو) الآية. وقد وردت السنة بتسمية هذه الخمس مفاتيح الغيب.

أخرج البخاري بسنده إلى ابن عمر قال، قال رسول الله (صلى الله عليه و سلم ) : مفاتيح الغيب خمس لا بعلمهن إلا الله. إن الله عنده علم الساعة، وينزل الغيث، ويعلم ما في الأرحام، وما تدري نفس ماذا تكسب غدا، وما تدري نفس بأي أرض تموت، إن الله عليم خبير».

 

فهل يستطيع العلم المزعوم أن يعلم شيئا من هذه الخمس ؟ لعل قائلا يقول، إن الناس في هذه الأيام يعرفون أن المطر سينزل غدا أو لا ينزل، وأن السماء ستكون مصحية أو غائمة. فأقول : إن هذا العلم مكتسب بآلات وأمارات، ولو سألنا العالم الفلكي عن وقت نزول المطر بعد شهر من يومنا الحاضر لا يستطيع أن يجيب بشيء. إذن لا يعلم متى ينزل المطر إلا الله، وعلمه لا يحتاج إلى آلات ولا أمارات، فهو يعلم متى ينزل المطر، والمقدار الذي ينزل من المطر بعد عشرة آلاف سنة، بل علم سبحانه أوقات نزول المطر ومقاديره قبل أن تخلق الأرض إلى أن تفنى. وسيقول قائل: إن الطبيب يعرف ما في بطن الحامل أذكر أم أنثى، والجواب عن هذا كالذي قبله، إنما يعلم ذلك بالأشعة أو بأمارات، ولو سألناه عن طفلة في العاشرة من عمرها، ماذا ستلد من الأولاد، بعدما تبلغ وتتزوج لما وجد جوابا، وهكذا يقال في كل أمر أخبر الله سبحانه أنه استأثر بعلمه أو بخلقه في كتابه العزيز أو على لسان نبيه الكريم (لا تبديل لكلمات الله) وأظن أن هذا القدر كاف لتكذيب دعوى الحبشي المدعي أنه عربي، ولا تعترف به الحبشة ولا العرب، لأن الحبشة نصارى، والعرب أكثرهم مسلمون، وقليل منهم نصارى، ولا يستطيع أن يصرفهم عن دينهم الدساسون المجهولون، فهم يضربون في حديد بارد.

4- قوله : إن الإيمان بشخص بشري، أو بالله، يستهدف طلب الكائن الذي يستحق هذا الإيمان. الخ

هذا كلام ركيك فاسد لا طائل تحته. وقد انحط في الركاكة والتعمية إلى حد لا يستحق أن يقرأ ولا أن يجاب عنه، وعلى ذلك نجاريه فنقول، ما معنى الإيمان بشخص بشري ؟، هل معناه أن يعتقد فيه أنه الله كما يدل عليه قوله، يستهدف صلب الكائن، فكأنه يعرض بعقيدة النصارى في الأقاليم الثلاثة، وعقيدة الصلب والفداء. فإن كان الأمر كذلك نترك الجواب عنه للمسيحيين([1])، لأننا معشر المسلمين لا نعتقد في البشر كلهم، إلا أنهم مخلوقون لله ومفتقرون إليه، والله غني عنهم، ليس له ند ولا كفؤ ولا شبيه ولا نظير، ولا نعتقد صلبا ولا فداء.

 

5- قوله : ( فالمتعالي بالنسبة للغريزة هو المجهول والمغلق. وكلما زاد خوف الغريزة من أمر، ازداد اعتقادها بأنه يستحق الإيمان. ) .

 

قوله : فالمتعالي بالنسبة للغريزة هو المجهول والمغلق) : كلام فاسد لا معنى له، لأن المتعالي صفة لا يتعين موصوفها، فإن أراد به اسم الله تعالى، فإن من أسمائه المتعالي، فإنه ليس مجهولا إلا عند الجهال أمثاله، ومن عرفه حجة على من لم يعرفه. وإذا كان يجهله، فكيف يحكم عليه، فإن الحكم على الشيء فرع تصوره. فهو وصف شيئا بالتعالي، ولم يعين الموصوف، ثم حكم عليه بأنه مجهول ومغلق. والصفة في اللغة العربية وفي غيرها تدل على أمرين، على عين متصفة بصفة.

 

 فمن السخافة تصور شيء، وصفته بالتعالي، ثم الحكم عليه بأنه مجهول، وما معنى الإغلاق هنا، إنما يتصف بالإغلاق الباب، والمعنى الغامض، ولعله يريد هنا المعنى الأخير، فإن كان الأمر كذلك، ففكره هو المغلق، وتعالى الله وتنزه أن يكون مجهولا أو مغلقا، وقد عرفه أهل السموات وأهل الأرض وشهدوا بربوبيته وكماله المطلق وهيمنته وقيوميته. ولماذا أبهم وهرب إلى الصفة، ولم يقل الإله أو الله كما صرح بذلك فيما بعد بغاية الوقاحة والنذالة. وليس ذلك من شأن الباحثين، لأن الشتم والسفاهة سلاح الدساسين. وأي علاقة للغريزة بالاعتقاد، فإن الاعتقاد خاص بالعقلاء، والغريزة مشتركة بين الناطق والناهق، ولكن من فقد نصيبه من العقل وغلبت عليه الغريزة كالبهائم ينسب كل شيء إليها.

 

أما قوله : ( وكلما ازداد خوف الغريزة من أمر، الخ ). تقدم أن الغريزة لا شأن لها بالاعتقاد، وإنما الاعتقاد يكون بالعقل، والمعتقد هو الإنسان. وصحيح أن الإنسان إذا خاف من أمر آمن به وعبده، فعباد الأوثان والأصنام يعتقدون أن لتلك الأوثان والأصنام أرواحا متلبسة بها تضر وتنفع وتقضي حاجات من يخضع لها ويذبح لها ويطوف بها ويهتف بأسمائها إذا حز به أمر، فهم يخافونها ويرجونها، ولكن المؤمنين بالله ليسوا كذلك، فإنهم آمنوا بالله بعدما نظروا في خلق السموات والأرض ورأوا كل شيء من المخلوقات يدل دلالة واضحة قاطعة على خالقه.

 

وفي كل شيء لـه آيـة *** تدل على أنه الواحـد

 

قال تعالى في سورة آل عمران 190-191 (إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب. الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم، ويتفكرون في خلق السموات والأرض). وسأفصل القول فيما بعد في الأدلة والبراهين القطعية التي تدل على وجود الخالق وربوبيته وعلمه وحكمته وتدبيره لمملكته العظيمة بحول الله وحسن عونه.

 

6- ثم قال : ( فبعد أن افترضنا أن فكرة الله يجب أن تشرح كل ما يبدو لنا غامضا ومغلقا في ظواهر الطبيعة، وبعد أن رأينا العلم الحديث يشرح هذه الظواهر عينها، شاع الاعتقاد بأن ذلك هو انتصار للعلم على الإيمان الديني. ) .

هذا الكاتب ليس من أهل العلم ولا من أهل الدين، فهو جاهل بهما جميعا. ولو كان من طلاب المعرفة لعرف واعترف بأن الإنسان لا يزال في غاية الجهل بنفسه وبما حوله من حيوان ونبات وجماد، ولم ينكشف له من أسرار ذلك إلا شيء ضئيل جدا. فما يعلمه بالنسبة إلى ما يجهله كنقطة في بحر، فهو لا يعلم على الحقيقة والتدقيق مستقر العقل والإدراك الذي فضل به الإنسان على الحيوان الأعجم. والإدراك أنواع، فأين يستقر كل نوع منها، كالحفظ والنسيان والذكر والذهول والتفكير، وأين خزانة المعلومات من جسمه. وأين تستقر الحياة، وما هي الحياة ؟. وأين يكون عقله حين ينام ؟ وهل هناك عقلان، عقل باطن وعقل ظاهر، وهذه الأمور التي يراها في المنام بأي قوة يراها. ؟ ثم إن العلم بأمراض الإنسان وعلاجها لا يزال ضئيلا، والمجهول منه أكثر من المعلوم، والمعلوم منه يقينا أقل من ذلك. ثم ما هي جاذبية الأرض التي تؤلف بين أجزائها، وتجدب إليها كل ما هو في الغلاف الهوائي المحيط بها، وأين هي هذه الجاذبية ؟. ومن ادعى العلم بكل شيء فهو جاهل بكل شيء. ثم إن العلم والإيمان بالله متلازمان، لا ينفك أحدهما عن الآخر، إذ لا يمكن أن يعرف الإنسان دقائق المصنوعات وأسرارها وعجائبها ويشتد إعجابه بها، وهو يجهل الصانع جهلا تاما، بل ينكر وجوده.

7- ثم قال –فض فوه- وعاش من يجفوه- ما نصه بالحرف :( وإن الله لن يلبث أن يتقهقر يوما بعد يوم حتى ينبذ نهائيا. وبما أننا نسبنا إلى الله وظيفة ليست له. الله ليس ظاهرة لا متناهية الصغر، أو متناهية العظمة. أردنا أن نصلحه هو بإنكاره نهائيا، بدلا من أن تصلح ذواتنا ). انتهى هذيانه.

 

«البراهين العقلية التي تضطر كل عاقل أن يؤمن بالله»

قبل أن أبدأ في سرد البراهين أريد أن أنقل كلاما لبعض العلماء المعاصرين الناصحين لأمتهم الذين هم سرج هداية وهداة إلى الحق. قال الأستاذ محمود صالح الفلكي في مقدمة كتابه (العلم يدعو للإيمان) ما نصه:

بسم الله الرحمن الرحيم. قد يبدو غريبا أن رجلا درس العلوم الاقتصادية والمالية وشغل منصب وكيل وزارة المالية الاقتصاد، والمالية ومركز نائب المحافظ لصندوق النقد الدولي بواشنطون. والآن هو سفير مصر في باريس، يعمد إلى ترجمة كتاب كهذا الكتاب، يتكلم في الفلك والجيولوجيا والطبيعة والكيمياء والطب وعلم الوراثة، ومثل ذلك من العلوم، التي لا تمت إلى عمل المترجم، ولا إلى دراسته، بسبب من الأسباب.

ولكن الواقع أني حين قرأت هذا الكتاب أثناء إقامتي في أمريكا – ضمن ما قرأته من كتب في موضوعات شتى- قد أعجبتني الغاية السامية التي توخاها المؤلف الكبير من تأليفه، ألا وهي أثناء وجود الله ووحدانيته بأدلة من العلم المادي الحديث.

 

وكان العهد بدعاة الإلحاد أن يحتجوا لدعوتهم بأدلة يحسبونها علمية، حتى لقد ظن البعض أن العلم والإيمان نقيضان لا يجتمعان. بل ألف أحد العلماء الغربيين، وهو جوليا هكسلي، كتابا في ذلك سماه (الإنسان يقوم وحده) (Man stands Alone) زعم فيه أن العلم ينكر وجود الله. ولكن ها هو ذا عالم من أكبر العلماء الأمريكيين، وقد شغل حينا مركز رئيس المجتمع العلمي في أمريكا، قد تصدى له ورد عليه، وبين له وللناس جميعا أن العلم الحديث يثبت وجود الله وينتهي إلى الإيمان به وبوحدانيته بما لا يحتمل الشك أو الجدل. وقد سمى كتابه (الإنسان لا يقوم وحده) (Man does not stands Alone) أثبت فيه بمختلف العلوم أن الله بارئ الكون وهو خالق كل شيء.

لذلك وحده عنيت بترجمة هذا الكتاب لعله ينتشر بين قراء العربية كما انتشر في أمريكا حيث كان له أثر كبير في صد موجة الإلحاد وتثبيت قوة اليقين.

 

وقد وجدت كثيرا من آيات القرآن الكريم تؤيد ما ذهب إليه المؤلف فوضعتها في مواضعها من فصول الكتاب. والله الهادي إلى أقوم سبيل.

 

التعريف بمؤلف كتاب : الإنسان لا يقوم وحده

 

وضع العلامة الأمريكي كرسي موريسون هذا الكتاب للقارئ العادي، سواء أكان شابا أم شيخا، رجلا أم امرأة. وبينما يعالج مسائل علمية جديدة، تراه يطلعك على غرائب في الكون ما كانت تخطر لك ببال.

 

وهو كتاب علمي قبل كل شيء، إذ يعالج مسائل تختص بالفلك والجيولوجيا والطبيعة والكيميا والطب وعلم الأحياء ونحوها. ولكنه بسط هذه المسائل العلمية لدرجة تقربها إلى ذهن كل قارئ. ومن عجب أن يستوعبها كلها في هذا الحيز الصغير، وأن يعرضها بشكل جذاب.

 

أما ما كشفه المؤلف في هذا الكتاب من حقائق جدير بأن يثير خيال الإنسان، غير أن النتائج التي انتهى إليها هي ثمرة (تكييف) الإنسان، كي يلائم الطبيعة بشكل ظاهر، كما هي ثمرة تكييف الطبيعة لتلائم الإنسان بشكل خفي أدعى إلى الدهشة. ولا ريب أن هذا الكتاب سيكون موضع التقدير من جميع المفكرين الذين يروقهم أن يجمعوا التأمل والتفكير إلى الإيمان والدين.

 

وقد برهن المؤلف بالبراهين القاطعة على أن عجائب علاقات الإنسان بالطبيعة، ووجود الحياة نفسها، تتوقف كلها على وجود الخالق سبحانه وتعالى، وعلى وجود قصد من خلق الكون، ويتمثل هذا القصد في إعداد روح الإنسان للخلود. 

 

وهذه الغاية التي توخاها المؤلف هي غاية جليلة بلا ريب، ولا تعارض بينها وبين الأديان على اختلافها، بل إنها على العكس تؤيدها، إذ تثبت الإيمان بالله الذي هو أساس كل دين. ومن ثم يروق هذا الكتاب للعالم العصري، والعالم الديني، والواعظ، ويرضي المتدين، كما يقنع الذي بنفسه شك.

 

ولا ريب أن الموضوع الذي عالجه هذا الكتاب هو موضوع اليوم، فقد انتشرت فكرة الإلحاد في كثير من البلدان، وزعم الملحدون أنهم ينكرون الإيمان على أساس من العلم. ولكن ها هو ذا عالم كبير يؤيد الإيمان ببراهين من أحدث العلوم.

 

هذا والعلامة كريسي موريسون، هو الرئيس السابق لأكاديمية العلوم بنيويورك، ورئيس المعهد الأمريكي لمدينة نيويورك، وعضو المجلس التنفيذي لمجلس البحوث القومي بالولايات المتحدة، وزميل في المتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي، وعضو مدى الحياة للمعهد الملكي لبريطانيا العظمى.

 

وقد قرظت هذا الكتاب صحف ومجلات أمريكية عدة. ومن ذلك ما نشرته مجلة (هارتفورد كورانت) ضمن مقال طويل، إذ قالت :

 

إن المؤلف الذي هو رئيس سابق لأكاديمية العلوم في نيويورك، قد اشتق الواقع من مختلف  العلوم، وجمعها معا في هذا الكتاب الذي يفتح الأذهان ويضيئها بشكل يدعو إلى العجب، مثله في ذلك مثل صانع الساعة الدقيقة الجميلة، إذ يبحث عن عجلة صغيرة أو ترس هنا وهناك ويضم أداة دقيقة إلى مسمار، حتى يتم صنع تلك الساعة.

 

وقد استعان المؤلف بأمثلة من علم الفلك والجيولوجيا وعلم الحشرات وعلم النبات وعلم الأحياء وعلم الطبيعة وعلم النفس والفلسفة. وقد جمع هذه المادة بعناية بالغة، وعرضها بدقة وبراعة.

 

واشتق من هذه العلوم المختلفة المتشابكة، حقائق عجيبة مرتبطا بعضها ببعض في انسجام كامل بشكل يؤدي بالضرورة إلى إيمان كل إنسان مفكر سليم الفكر بوجود الله.

إن بعض المؤمنين يؤمنون على أساس الشعور، والبعض الآخر على أساس تعاليم يحفظونها دون تفكير. ولا يصلح هذا الأساس ولا ذاك، وإنما يصلح الإيمان القائم على العقل، ليقي الإنسان في هذا العصر الذري المدهش.

 

ومن كلام الشيخ أحمد حسن الباقوري في الإعجاب بالمؤلف المذكور :

وبعد، فهذا المؤلف ثمرة عقل كبير ناضج... عقل وسع ثقافة العصر وأحاط بالكثير من دقائقها، حتى صار صاحبه رئيسا للمجمع العلمي بأمريكا، وذلك منصب لا يرقى إليه إلا العباقرة الأفذاذ من العلماء.

 

وغاية المؤلف من هذا البحث، الوصول إلى الله عن طريق العقل وما يتكشف له بالعلم والمعرفة من أسرار الكون وعجائبه. فكلما تكشفت له حقيقة من الحقائق هتف من أعماقه، سبحان الخالق المبدع، اعترافا منه بأن الإنسان وما سخر له العلم والمعرفة من وسائل القوة والاقتدار، أضعف من أن يبلغ من أسرار هذا العالم شيئا مذكورا.

 

«يا أيها الناس ضرب لكم مثل فاستمعوا له، إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له، وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه  ضعف الطالب والمطلوب» لم يكن المؤلف عالما وحسب، ولكنه كان أيضا شاعرا، كلما تناول عقله حقيقة من الحقائق أشرق قلبه بها، فسرت في كيانه هزة الإكبار والإجلال لخالق الكون ومبدعه، وتلك هي دعوة الفطرة السليمة إلى الله وطريقها إليه. ومن هنا كان هذا البحث جديرا بأن ينظر فيه المسلم بعين الاعتبار، وأن يجعل من مباحثه دروسا نافعة يرى من خلالها قدرة الله وعظمته، فيقوى يقينه ويزداد إيمانه.

 

كلام الدكتور أحمد زكي مدير جامعة القاهرة سابقا في التعريف بهذا المؤلف :

في الاشتغال بمطالب العيش، والاغتمار في غمرة الحياة، ينسى الناس أن يفكروا فيتساءلون : من الغاية من هذا الوجود ؟ وما اشتغال بعيش، وما اغتمار حياة ؟ وقد ينتبه الناس من غفلة، أو يستيقظون من نومة، إذ أصابهم مرض، أو أصابهم عجز، أو نابتهم نائبة. وشر النوائب عندهم الموت، ينزل بقريب أو ينزل بحبيب. ففي هذه الفترات السوداء، البارقة في سوادها، يتوقف الناس يستخبرون، من أين جئنا، وإلى أين المصير ؟ ولكنها فترات لا تطول. فحوافز العيش تعود فتحفز ويشتد حفزها، والحياة تعود تهتف بحاجاتها ويشتد هتافها. والإنسان منا يلبي جبرا لا اختيارا، ويتركز على يومه وينسى أمسه الذي كان، وينسى يومه الذي سوف يكون، إلا من حيث ما يطعم، ويلبس، ويلذ، ومن حيث ينعم أو يشقى بالحياة.

ولكن مع كل هذا، فمن تحت صخب النهار، ومن بين الأصوات الصارخة في معركة العيش، يحس الإنسان منا صوتا خافتا يحاول دائما أن يصل إلى الآذان. وهو يصل إليها عندما يتعب القائم فيحتاج إلى القعود، وعندما يجهد الجاهد فيتصبب عرقا، فيأوي إلى ركن هادئ يجفف عن وجهه عرقه الصبيب. أو هو يصل إليه في هداة من الليل، وهو قاعد في العراء، يرعى أشياء هذه الأرض، ويرعى على الأكثر أشياء هذه السماء.

 

وهو إذ يرعى هذه السماء، يرعى أشياءها، يرعى نجومها. يزداد هذا الصوت الخافت في آذانه ثم يزداد، حتى يصير صراخا. هذه السماء ما هي ؟ وهذه النجوم ما أعدادها وما أبعادها ؟ وما فتات من النور مبعثر في هذه القبة البلقاء، بعثرة الرمال في الصحراء ؟ وكيف تحور هذه القبة وكيف تدور ؟ وما شروق لها وما غروب ؟ وما نسق وانساق تجري عليها ومواعيد تضربها فلا تختلف أبدا ؟.

ويأخذ ينعم النظر رافعا بصره، وهو إذ يملأ بالذي يراه عينا، يملأ به فكرا ويملأ به قلبا. وعندئذ يرى تلك الصور وهي تجري في أزمة يجمعها آخر الأمر زمام واحد، ويرد تلك المعاني، وهي مختلفة كاختلاف ألوان الطيف من أحمر وأصفر وأزرق، ثم تجتمع كما يجتمع الطيف، فيكون منه لون أبيض واحد، ويرد كل هذه المعاني، ويرد كل هذه الصور وكل هذه المباني، إلى يد صناع واحدة، تحركها إرادة عاقلة منسقة هادية واحدة.

فتلك يد الله، وتلك إرادة الله.

على هذا جرى الأقدمون واهتدوا إلى كشف حقيقة الله. وما أعسره كشفا كان، عند قوم، لأنه كشف مخلوق تستر وراء مخلوقاته، وما أيسره كشفا كان، عند أقوام، لأنها مخلوقات عجيبة رائعة، ما أسرع ما رقت فنفذ إليها الفكر الإنساني العاقل، فشفت عما وراءها. وكان الفكر أحد أعاجيبها.

 

ثم جرى الزمان فجاء العلم، أشرق على الناس العلم الحديث منذ ثلاثة قرون. وهو بعد ما بلغ الضحى.

 

وكشف العلم عن عجيب ما صنع الصانع. كشفه في النبات، وهو صنوف لا عداد لها. وكشفه في الحيوان، وهو أجناس لا حصر لها. وكشفه في الإنسان، أسمى حيوان. وكشف عن أنساق واحدة في كل هذه الصنوف والأجناس جميعا. وكشف عن قوى في كلها تعمل واحدة، على اختلاف في درجات، ولكن على اتحاد في غاية. وهدى، وهدى المنطق، وهدت الفطرة، إلى أن صاحب هذه الأنساق لابد واحد، ومجري هذه القوى لتعمل على هذه الأساليب الواحدة، لابد واحد. ونسق العلم ما بين الأرض، جامدها والحي، وبين هذه الشمس وذاك القمر، وأثبت أن المعدن واحد، والأصل واحد، وأثبت أن الذي صمم عين الإنسان بعدستها ومائها، وما وراء الماء من شبكة تلقي عليها الصور، هو هو لابد الذي صمم هذه الشمس وأخرج منها تلك الأشعة ووجهها إلى الأرض. فهذه العين تكون عبثا لولا هذا الضياء.

 

وجاء العلم، وجاء العلماء بألف ألف دليل على وحدة الأرض، وما عليها، ووحدة السماء. ومن هذه الوحدة درج الناس والعلماء إلى وحدة رب هذه الأرض ورب السماء.

 

ومع هذا بقيت في العلماء بقية تقول بالخلق والتخلق طبعا، وتنكر وجود الله. ومن هذه البقية العالم الإنجليزي، جوليان هكسلي فكتب في ذلك كتابا أسماه (لإنسان يقوم وحده) (Stands Alone) وهو في ذلك يسير على درب سار عليه جده من قديم. فجده توماس هكسلي (1825-1895)، صاحب دارون وناصره في القرن الماضي.

 

وظهر هذا الكتاب لهذا العالم فانبرى له عالم آخر، فكتب كتابه هذا، الذي بين يدينا، وأسماه (الإنسان لا يقوم وحده) (Man does not stands Alone) أراد بذلك أن يقول أنه يقوم في هذه الدنيا ومعه الله.

 

والكتاب يعدد، في إيجاز جميل، هذه الأنساق التي تجمع بين الخلائق جميعا، وبين الحي والحي، وبين الحي والجامد. وعبر حدود الأرض، واتجه إلى السماء، يربط ما بينها وبين الحياة على هذه الأرض. وهو يدلل من صفات هذا الشيء وهذا الشيء، على أن صانعها لابد واحد، فهما كالمفتاح وقفله اتساقا، لا يمكن أن يكون ابتدعهما ودبرهما إلا عقل مبتدع مدبر واحد.

فالكتاب عون على الإيمان الذي عماده الفكر والفطنة : كبير. اهـ.

قال محمد تقي الدين : فتأمل أيها القارئ النبيل في كلام هؤلاء الجهابذة الذين هم أقطاب الأدب العربي والأوربي معا كيف أقاموا البراهين القاطعة على مقام الربوبية الأعلى وحاجة المخلوق إلى خالقه المتعالي. وسيرد عليك في المقالات الآتية بحول الله وقوته ما يثلج صدرك، ويملأ قلبك يقينا وإيمانا، فتغمرك سعادة المؤمنين، وتنقشع عنك سحائب الغافلين. وأين هؤلاء الفحول من ذلك الكويتب المجهول (ريني الجبشي) هيان بن بيان، وضل بن ضل.

 

وابن اللبون إذا ما لز في قرن *** لم يستطع صولة البزل القناعيس

 

  

وموعدنا المقال التالي. بحول الله وقوته



[1] - الأولى أن يوصفوا بالنصرانية .

 

الكاتب:محمد تقي الدين الهلالي

 
تاريخ الاضافة: 13/06/2009 عددالزيارات: 141

طباعة

 


جديد قسم : مقـالات إسلامية

التحذير من الدخول في الانتخابات السياسية عدد الزيارات 19
دواء الشاكين وقامع المشككين -20- عدد الزيارات 85
القرآن والثقافة العربية عدد الزيارات 100
محبة الصحابة رضي الله عنهم عدد الزيارات 116
التحذير من المغالاة في وصفه صلى الله عليه وسلم بــ ( سيد الكائنات ) عدد الزيارات 113
تقويم اللسانين رقم 12 عدد الزيارات 257
دواء الشاكين وقامع المشككين -19- عدد الزيارات 115
دواء الشاكين وقامع المشككين -18- عدد الزيارات 77
ترجمة الشيخ الدكتور عبدالرحمن بن صالح محي الدين عدد الزيارات 236
دواء الشاكين وقامع المشككين -17- عدد الزيارات 209

عدد التعليقات و التبليغات : 0

أكتب تعليقك هنا



 

القائمة الرئيسية

قسم المقروءات

قسم الصوتيـات

خدمــــات الموقع

عدد الزوار


Powered by MKTBA & developed by AKSSA