مكتبة الشيخ محمد تقي الدين الهلالي

ما قول المبتدعه في التفريق بين الحديث المتواتر والاحاد بالتفصيل؟ ( الشيخ صالح بن فوزان الفوزان )     ||     حكم قرأة الفاتحه عند كتابةعقد الزواج أو على روح الميت؟ ( الشيخ صالح بن فوزان الفوزان )     ||     ما رأيكم في المسبحه......؟ ( الشيخ صالح بن فوزان الفوزان )     ||     صلاة الحاجه وصلاة الضائع وصلاةالتسابيح بدعه؟ ( الشيخ صالح بن فوزان الفوزان )     ||     حكم الاحتفال بالمولد والرد على شبه الصوفية ( الشيخ صالح بن فوزان الفوزان )     ||     ما قول المبتدعه في التفريق بين الحديث المتواتر والاحاد بالتفصيل؟ ( الشيخ صالح بن فوزان الفوزان )     ||     حكم قرأة الفاتحه عند كتابةعقد الزواج أو على روح الميت؟ ( الشيخ صالح بن فوزان الفوزان )     ||     ما رأيكم في المسبحه......؟ ( الشيخ صالح بن فوزان الفوزان )     ||     صلاة الحاجه وصلاة الضائع وصلاةالتسابيح بدعه؟ ( الشيخ صالح بن فوزان الفوزان )     ||     حكم الاحتفال بالمولد والرد على شبه الصوفية ( الشيخ صالح بن فوزان الفوزان )     ||     

جديد الموقع

مكتبة المغرب الأقصى الإسلامية || نقد مقال العوائق النفسانية للتخطيط -1-

Share |

الصفحة الرئيسية >> مقـالات إسلامية

اسم المقالة: نقد مقال العوائق النفسانية للتخطيط -1-
كاتب المقالة: محمد تقي الدين الهلالي
تاريخ الاضافة: 25/05/2009
الزوار: 365


نقد مقال العوائق النفسانية للتخطيط -1-





أول ما أبدأ به حمد الله سبحانه على نعمة الإسلام، التي أكرمنا بها في زمان الغربة، غربة الدين والحق، كما قال الشاعر:

ومـا غربـة الإنسـان من شقـة النـوى *** ولكنهـا والـله مـن عـدم الشكــل

فأقول مستعينا بالله على رغم كل ختار كفور: سأقسم هذا النقد إلى قسمين: قسم علمي، وقسم قومي، على أني لا أتعرض لكل ما جاء في ذلك المقال، وإنما اقتصر على تلك العبارات الخبيثة التي أشار إليها وخط عليها الأستاذ المذكور.
 العبارة الأولى، افتتح بها الكاتب مقاله وهي:

شرقنا العربي بحاجة إلى تطوير عام مخطط. ولكي ندرك ذلك، علينا أن نفهم ذواتنا ونتخطى العقبات التي تقف في سبيل هذا التطوير، أما طاقات الإنسان البناءة فهي ثلاث فئات:

1- الطاقات الغريزية التي تحصر الإنسان في إطار ذاته.

2- الطاقات العقلية التي تفتح للإنسان الكون المنظور.

3- طاقات الإيمان التي تقيم الصلة بين الإنسان وبين ما وراء المنظور.

ومضى إلى أن قال:

أما تطوير الإيمان بسيطرة الغريزة، فهو يجتاز أزمة عميقة في بلداننا العربية نتيجة العلم الذي بدأ يشرح بعض الظواهر الطبيعية الغامضة، والتي ساد الاعتقاد الخاطئ أنها وظيفة الله، إن الإيمان وليد الحرية، فهو يمكننا من فرض بعض الأدلة المنطقية على الفرد، ولكنه لا يمكننا أبدا فرض الإيمان. ولكن متى طغت الغرائز على خاصية الإيمان انقلبت هذه الميزة المساعدة للتخطيط إلى أنانية وعنصر تفريق يمكن تسميته تعصبا.

ثم مضى إلى أن قال:  إن الإيمان بشخص بشري، أو بالله يستهدف صلب الكائن الذي يستحق هذا الإيمان، وما ينطوي عليه هذا الكائن من بساطة ووضوح.

فليس من عمل أكثر مباشرة من الإيمان. ثم مضى إلى أن قال: فالمتعالي بالنسبة للغريزة هو المجهول والمغلق. وكلما زاد خوف الغريزة من أمر، ازداد اعتقادها بأنه يستحق الإيمان.

ولذا يجتاز اليوم الإيمان بالله أزمة عميقة في بلداننا العربية. فبعد أن افترضنا أن فكرة الله يجب أن تشرح كل ما يبدو لنا غامضا ومغلقا في ظاهرة الطبيعة، وبعد أن رأينا العلم الحديث يشرح بسهولة هذه الظواهر عينها. شاع الاعتقاد بأن ذلك إنما هو انتصار للعلم على الإيمان الديني، وأن الله لن يلبث أن يتقهقر يوما بعد يوم حتى ينبذ نهائيا.

وبما أننا نسبنا إلى الله وظيفة ليست له - الله ليس ظاهرة لا متناهية الصغر أو لا متناهية العظمة - أردنا أن نصلحه هو بإنكاره نهائيا بدلا من أن نصلح ذواتنا. وربما اعتقد البعض أنني أحيد كثيرا عن موضوعي، ولكن هل يظن أن من الصواب بالنسبة إلى حالتنا النفسانية وتربيتنا أن نقبل هذا التناقض الخاطئ بين العلم والدين. فنتعرض لفقدان قيم طالما كانت غالية على قلب شرقنا العربي.

أما الغريزة فتستثمر الإيمان كسلاح وتستعمله كخطة. فلا أكثر مغايرة للإيمان من التهديد، أو استعمال القوة، إلا أن الغريزة خوذة وترسا لأهدافها الهجومية. ولذا يقسو الإيمان بيد الله، إنه أعزل يعرض نفسه على حريتنا، فتتخذ منه الغريزة الخوذة وترسا لأهدافها الهجومية. ولذا يقسو الإيمان في السياسة ويتصلب، وبدلا من وسم الغريزة بروحانيته يتمثل هو بطابع الغريزة اللاعقلي. إن العاقبة التي تهمنا هنا هي أن الدين، إذا تجسد في انفعالات الغريزة والخرافات التي لا طائل تحتها يعطي الغريزة ذرائع -ذرائع مقدمة- للبقاء في جمودها ولرفض كل تطور، عوض أن يكون خميرة تقدم.

وبدلا من أن يكون الله سبب تقدم لا متناه، يمسي علة جمود وركود لا حد لها. إن تربية مصابة بهذا الجرثوم لابد من أن تتجه إلى التعبد للماضي والتقليد، بدلا من أن تتطور وتتكيف مع تغير الحاجات في مجتمع سلك طريق التصنيع.

انتهى ما أردنا نقله والرد عليه.

1- قوله، شرقنا العربي في حاجة إلى تطوير عام مخطط، أقول نحن موافقون على أن الشرق العربي والمغرب العربي كذلك، وذلك ينتظم جميع العرب ، إذ ليس العرب محصورين في الشرق، أقول : نحن موافقون على حاجة إلى التطور ضمن مجدهم وحسبهم وتراثهم العظيم، وذلك كله يرتكز على الإسلام الذي هو مصدر حياتهم و عظمتهم ، فإن العرب قبله لم يكونوا شيئا مذكورا، فلم تكن لهم مدينة محفوظة ممتدة ولا حضارة ولا علم ولا عز ولا دولة ولا اجتماع ولا اجتماع ([1]) ولا تعاون ولا شريعة يجتمعون عليها وتنظم بها أحوالهم، بل كانوا عشائر متفرقة جاهلة همجية تعبد الأوثان وتئد البنات وتقتل أولادها للفقر أو خشية الفقر. ومن كان له منهم شيء من الحضارة كان ذلك تحت سيادة الفرس أو الروم، وسائرهم متوحشون يقتل بعضهم بعضا ويسبي بعضهم بعضا، فلما جاء الإسلام صاروا سادة أهل الأرض حكما وعلما وقوة وسلطانا، وتغلبوا بقوة الإيمان والأخلاق الكريمة على أكبر دولتين تجاورانهم الروم غربا، والفرس شرقا، وسادوا العالم في مدة لا تتجاوز خمسا وعشرين سنة. وهذه الثورة السليمة الخليقة المحمدية المباركة عديمة النظير في التاريخ كله، قديمه وحديثه، لا ينازع في ذلك إلا مكابر متعسف يريد أن يستر الشمس بالغربال.

وبعد ما أعرضوا عن الإسلام فقدوا كل ما كان عندهم من عز ومجد وعظمة واجتماع وتعاون وسيادة ورقي، حتى صاروا عبيدا لمن كانوا تحت حكمهم. وهذا أيضا مسلم، يعرفه كل من يعرف شيئا من تاريخ العالم عامة، وتاريخهم خاصة. وإذا تسامحنا وتنزلنا إلى لغة هذا الكاتب، نقول: إن ذلك كان أعظم تطور عام مخطط، ولو استمر العرب على ذلك المنهاج لما فقدوا شيئا من سعادتهم وعظمتهم. والإسلام الذي كان سبب حياتهم، ثم كان تركه وبالا عليهم وتخلفا وانحطاطا هو وحده الكفيل باسترداد مجدهم وعظمتهم  وقوتهم وسعادتهم، لا أعني الإسلام بشكله الحاضر، ولكني أعني الإسلام بالشكل الذي دعا إليه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونفخ به روح الحياة بإذن الله في الغرب، والإسلام لا يتنافى مع التقدم في المدينة والحضارة والعلم والعدل. والدليل على ذلك ما أنشأه العرب وسائر المسلمين من المدينة وحضارة، وما خلفوه من علوم خالدة باقية يشع نورها في جميع المعمور من الأرض. وهي مقدمة عند العلماء المنصفين من جميع الأمم. أما التطور الذي معناه إنكار الماضي وإهماله والانسلاخ من القومية والعلم والدين، وإضاعة التراث العظيم، وتقمص تطور محدث مبني على غير أساس، أو على شفا جرف هار، فإنه ينهار بأهله في نار جهنم ويشقي أهله في حاضرهم ومستقبلهم، بل هو داء العرب الذي قعد بهم عن التقدم والرقي والسير في ركب الحضارة. والدين المبدل هو من أكبر العوائق عن كل تقدم وإصلاح واجتماع وتعاون.
 قلت : إن بناء التطور على غير أساس التراث المجيد هو سبب تأخر العرب. برهان ذلك أن الدول العربية غير متمسكة بالشريعة الإسلامية كما كان أسلافها متمسكين بها علما وعملا وانقيادا وطاعة. فغالب ما حرمه الإسلام هو حلال في قوانينهم. وكل ذنب أوجب الإسلام العقاب عليه هو مباح في تلك القوانين، لا يخشى مرتكبه نكالا، يفعل جهارا من غير خوف ولا وجل، حتى الردة عن الإسلام وسب مقدساته لا يخشى مرتكب ذلك مؤاخذة. ودليل ذلك صدور مجلة تشتمل على ما نقلناه أعلاه في بلد أغلب سكانها مسلمون، وطائفة منهم نصارى، والزنادقة منهم الذين لا يدينون لا بالإسلام ولا بالنصرانية قليلون جدا. فادعاء كاتب المقال المنقود أن الإيمان بالله يعوق العرب ويمنعهم من التطور والتقدم، هو اختلاقٌ من بنات غيره. وإذا ثبت أن الإسلام وحده هو سبب حياتهم وانتقالهم من الشقاء والجهل والفقر والتخاذل وغير ذلك من الأمراض الاجتماعية إلى أضدادها، وثبت أن إعراضها عن الإسلام هو سبب انحطاطهم وبلوغهم إلى الدرك الأسفل من الضعف والتأخر، والتاريخ أصدق شاهد، فلا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها. وإذا كان غير الإسلام من الأديان البعيدة عن العقل التي لا تمس حياة الإنسان الاجتماعية لا من قريب ولا من بعيد لم تمنع المتمسكين بها من بلوغ غابات الرقي والتقدم، فكيف يمنع من ذلك الإسلام الذي هو نصير العقل والعلم والحرية والعدل والمساواة. وقد جرب العرب الإعراض عن الإسلام وشريعته عشرات السنين فلم يزدادوا إلا خبالا، فما يريد منهم هذا الكاتب؟ لا شك أن وراء الأكمة ما رواءها، فلعله يريد أن يدخلهم في إيمان جديد ودين جديد يزيدهم خبالا ووبالا فيحرم عليهم البقية الباقية من حرية الاعتقاد وحرية العمل وحرية التنقل وشيء من حرية القول ويجعلهم أنعاما سائمة يرعاها ذئب مكشر أنيابه للافتراس. ولعمري، ما هو بناصح ولا أمين، وأنا أقول بعكس ذلك: جربوا أيها العرب الرجوع إلى طريقكم الأول، على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، جربوا ولو سنة واحدة، تجدوا أنكم لا تسعدون اليوم إلا بما سعدتم به أمس.

2-  قوله: ( أما طاقات الإنسان البناءة فهي ثلاث فئات:

1- الطاقات الغريزية التي تحصر الإنسان في إطار ذاته.

2- الطاقات العقلية التي تفتح للإنسان الكون المنظور.

3- طاقات الإيمان التي تقيم الصلة بين الإنسان وبين ما وراء المنظور. )

أقول: هذا التقسيم غير صحيح، فالإيمان ليس قسما للغرائز والعقل، وإنما هو ثمرة العقل نفسه، إذا اجتمع معه الإلهام والتوفيق. فإن المدركات، تتقسم إلى قسمين، حسي، وهو ما يدرك هو أو مادته بالحس، ويدخل فيه الخيالي كقول الشاعر: وهو أبو بكر احمد بن محمد بن الحسن الصنوبري.

وكـــأن محمــــر الشقيـ*** ـق إذا تصـوب أو تصعـــد

  إعــــلام ياقـــوت نثــر***ن على رمـاح من زبرجــد

فرايات الياقوت على رماح الزبرجد خيال لا وجود له في الخارج. والقسم الثاني ما يدرك بالعقل، كالعلم والحياة، فإنهما لا يدركان بشيء من الحواس. ويدخل في العقل الوهمي، وهو أيضا غير مدرك بشيء من الحواس الخمس، مع انه لو أدرك، لم يدرك إلا بها، كقول امرئ القيس:

أيقتلنـي والمشرقـي مضاجعي***ومنونـة زرق كأنياب أغـوال

 

فإن الغيلان وأنيابها لا تدرك بالحواس الخمس، ولو أدركت، لم تدرك إلا بها، وهذا تقسيم صحيح للمدركات، وأنت ترى أن الإيمان ليس منها. أما كون الإيمان يعطي صاحبه قوة لا يجدها بدونه فصحيح. وقد اعترف الكاتب بأن الموجودات قسمان، منظور وغير منظور، حيث قال: (أما طاقات الإنسان البناءة فهي ثلاث فئات:

1- الطاقات الغريزية التي تحصر الإنسان في إطار ذاته.

2- الطاقات العقلية التي تفتح للإنسان الكون المنظور.

3- طاقات الإيمان التي تقيم الصلة بين الإنسان وبين ما وراء المنظور.)

فماذا يعني هذا الكاتب بغير المنظور؟ وماذا يعني بطاقات الإيمان التي تقيم الصلة بين الإنسان وبين ما وراء المنظور؟. أليس الله سبحانه هو مما وراء المنظور، وأن طاقات الإيمان على حد تعبيره تقيم الصلة بين الإنسان وبين الله تعالى، وكذلك مما وراء المنظور الجزاء الأخروي، وهو إثابة المحسن وعقاب المجرم. وتعبيره بالمنظور وغير المنظور فاسد، لان المنظور هو واحد من المدركات بالحس ، وبقيت أربعة أشياء تحس ولا تنظر، وهي المسموعات والمشمومات والمذوقات والملموسات. ولكننا لسنا بصدد مؤاخذته على فساد العبارة، وإنما نؤاخذه الآن على فساد المعاني، ونؤخر انتقاد المباني إلى القسم الثاني. ونقول له إذا كنت ماديا لا تؤمن إلا بما يدرك بالحواس الخمس كالحيوان الأعجم، فما معنى الكون غير المنظور، على حد تعبيرك الفاسد، أو غير المحس، على حد التعبير الصحيح. وهناك نوع آخر من المدركات يدرك بالوجدان، كاللذة والألم، يضاف إلى الأقسام المتقدمة الذكر، ويرى بعض العلماء أن للإنسان حاسة سادسة باطنة. وسينكر فيما بعد وجود الله تعالى، حيث يقول: (ولذا يجتاز اليوم الإيمان بالله أزمة عميقة في بلداننا العربية) وحينئذ نورد عليه من البراهين القاطعة ما يحتم عليه الإيمان بالله، أو المكابرة والجحود المفضوح. وجحده لوجود الله في هذا الموضع ينقض ما تقدم من قوله «أن طاقات الإيمان تقيم الصلة بين الإنسان وبين ما وراء المنظور».

ومن المعلوم أن الغرائز يشترك فيها الحيوان الأعجم مع الحيوان الناطق. وقد فضل الله الإنسان وكرمه بالعقل كما قال تعالى في سورة الإسراء 70 (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) ولا تزال الغرائز في صراع ونزاع مع العقل، فمتى تغلب الغرائز عني العقل وسيطرت عليه التحق الإنسان بالحيوان الأعجم كما قال تعالى في سورة الانفعال 22 (إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون) صدق الله العظيم، إن الدواب الإنسانية التي تغلبت غرائزها على عقولها فلم يبق لها من الإنسانية إلا الصورة والشكل شر من الدواب العجم التي لا عقل عندها يكبح جماح غرائزها ويهديها إلى الحق ويقيم لها البرهان عليه. ومتى تغلب العقل على الغرائز وسيطر عليها صار في طريق الكمال الإنساني حتى يصل الغاية القصوى، وهي العلم والمعرفة. و أول ما يدركه العقل بعد تغلبه على الغرائز التي يشترك فيها مع البهائم معرفة أن هذا العالم العجيب المتقن الصنع في دقة ونظام لا يكاد العقل يدرك كنههما، لا بد له من صانع مبدع متصف بصفات عالية لا تشبه صفات المصنوع. ولا يقبل العقل المتغلب على الغرائز دعوى المصادفة. وهي أن كل ما نرى وندرك بسائر حواسنا من أسرار هذا الكون وعجائب أحكام صنعه لم توضع له خطة سابقة ولا منهاج ولا تدبير، وإنما وجد على سبيل الاتفاق، وليس وراءه مدبر ولا موجد، وقد نشأ بلا علم ولا حكمة، حتى لو أراد العقل الحر الذي لم تستعبده الغرائز أن يجبر نفسه ويرغمها على قبول فكرة المصادفة، لم يقدر على ذلك أبدا، لأنه بعد تغلبه على الطباع الحيوانية يصل إلى درجة من العلم والإيمان لا يدخلها الريب أبدا، فكما أنه لا يعقل أن ضرب سبعة في سبعة ينتج أربعين أو خمسين بدلا من تسعة وأربعين، فكذلك لا يستطيع أن يتصور وجود صنعه محكمة في غاية الدقة توجد بلا صانع. وستأتي الأمثلة على ذلك في موضعها إن شاء الله.

3-  قوله: ( أما تطوير الإيمان بسيطرة الغريزة فهو يجتاز أزمة عميقة في بلداننا العربية، نتيجة العلم الذي بدأ يشرح بعض الظواهر الطبيعية الغامضة، والتي ساد الاعتقاد الخاطئ أنها وظيفة الله، الخ.)

أقول: إنما تسيطر الغريزة على عقول الجاهلين أمثال هذا الكاتب الذي يعرف بما لا يعرف. ولو سألناه عن هذا الشيء الذي يجحده، وهو معرفة الله ورسالة رسله وما جاءوا به من النور والهدى، هل تلقى في ذلك، ولو درسا واحدا، وهل أمعن النظر فيه وقتله بحثا وتحقيقا ليرد عليه ردا محكما ويضع النقط على الحروف كما يقولون، ويفصل القول تفصيلا، ويقيم البرهان على مدعاه، لوجدناه فارغا كالطبل يخوض فيما لا يعلم ويخبط خبط عشواء، في ليلة ظلما.

والدعــاوى مـا لـم يقيموا عليها*** بينات أبنـاؤهـا أدعياء

فقد ادعى في هذا المقال دعاوي كثيرة دون أن يقيم عليها برهانا واحدا، وكأنه يظن أن العرب أطفال كلهم ليس فيهم عالم ولا حكيم ولا عاقل، حتى تروج عليهم خزعبلاته، ألا ساء ما سولت له نفسه، وأوهمه وسواسه.

خـلالـك الجـو فبيضـي واصفـري

                     ونقـري مـا شئــت أن تنقــري

لا بـد مـن أخـذك يومـا فاحــذري

والشذاذ الملحدون من الأمريكيين والأوروبيين يربأون بأنفسهم أن يقدموا على انتقاد دين عظيم دان به ألوف الملايين من الحكماء والعلماء في قرون متطاولة دون أن يدرسوا ذلك الدين درسا دقيقا ويستخرجوا منه المواضع التي يلبسون بها على قرائهم ويتخذونها شبهات لمدعياتهم. أما «رني الحبشي» فلم يكلف نفسه عناء الدرس والبحث والتحقيق، بل اقتحم البحر بلا فلك ولا آلة وقاية من العرق، فغرق في بحر تتلاطم أمواجه، فلا لعن له إذ عثر، لأنه تقليدا كفر.

وادعاؤه أن الإيمان يجتاز أزمة عميقة، الخ. تهويل وتضليل، فإن البلاد التي يرفع أهلها رايات العلم بحق من أوربا وأمريكا لا يزال أهلها متمسكين بدينهم، لا يتساهلون فيه أبدا، وقد جبتها في الصيف الماضي فقط من اسبانيا إلى الأراضي القطبية في أقصى شمالي نرويج، حيث لا تغيب الشمس لمدة ثلاثة أشهر فرأيت القوم في أيام الآحاد يعطلون الأعمال ويؤمنون الكنائس صبيانا وكهولا وشيوخا، وذكورا وإناثا. ولو اطلع مطلع في مجلات الأشخاص ومديريات النفوس وسجلات الكنائس، لما وجد من الخارجين على الكنيسة إلا عددا ضئيلا جدا، لا يزيد على واحد إلى اثنين في المائة في الشعوب العظيمة التقدم في العلم والمدنية، كسويسرة وألمانيا وبريطانية والشعوب السكندنافية. وهؤلاء الخارجون على الكنيسة ليسوا كلهم ملحدين، فأكثرهم أخرج منها مضطرا وحرم وطرد لمخالفته لبعض قوانينها كتزوج الكاثوليكية برجل بروتستانتي مثلا، أو الامتناع من دفع ضرائب الكنيسة امتناعا كليا ونحو ذلك. وترى في كل جامعة كلية اللاهوت تحتل أسمى مكان في الجامعة. وجميع الأساتذة يحضرون صلوات كنيستها في الاحتفالات المهمة. ويتخرج في هذه الكليات كل سنة عدد كبير من الدكاترة فيتولون أعمالهم ووظائفهم في الكنائس والأعمال الدينية، ولا يبقى أحد منهم عاطلا. فإذا كانت الشعوب المتقدمة في العلم والحضارة قد تركت التدين والإيمان، كما يزعم هذا الداعية المضلل، فلما ذا تؤسس المدارس الدينية من رياض الأطفال إلى الجامعة في تلك الشعوب الحرة الديمقراطية. ولا توجد مدرسة خالية من دروس الدين في ألمانيا، ولا تقبل الكنيسة أن يتولى تدريس الدين في المدارس كلها إلا قسيس مجاز يقدر أن ينوب عن كنيسة في مراقبة التعليم الديني في المدارس ويصلي بالتلاميذ كل يوم في قلب المدرسة ويلزمهم الحضور إلى الكنيسة في كل يوم احد، ومن لم يحضر يعاقب، بل آل الأمر بهم في التمسك بدينهم إلى أن أجبروا الحكومة أن تهيئ للتلاميذ مدارس كافية على حسب اعتقادهم في البلدان التي تختلف عقيدة سكانها، بعضهم كاثوليكيون، وبعضهم بروتستانتيون، يجب على وزارة التعليم أن تهيئ نوعين من المدارس، للكاثوليكيين مدارسهم الخاصة بهم، إذ لا يسمح أب كاثوليكي أن يتعلم أولاده في مدرسة بروتستانتية، ولا أب بروتستانتي أن يتعلم أبناؤه في مدرسة كاثوليكية، سواء أكانت ابتدائية أو ثانوية، وأمهات التلاميذ كذلك. وإذا وجدت قرية جميع سكانها على احد المذهبين إلا نفرا قليلا لا يستحقون أن تبنى لهم مدرسة يأمرهم آباؤهم وأمهاتهم أن يركبوا في القطار ويتوجهوا إلى مدرسة توافقهم في الدين.

ومن الأسباب التي حملت الكاثوليكيين في ألمانيا على الانضمام إلى اليهود في عداوة هتلر وحزبه توحيد التعليم الذي قامت به حكومة هتلر. ولم تقم به بقصد محاربة الدين، وإنما قامت به لغرض سياسي، وهو تربية جميع الناشئين والناشئات على العقيدة الهتلرية، وهي الاشتراكية الوطنية، أو القومية،إذا أردنا الدقة في التعبير. وقد كان هتلر متمسكا بالدين، لم تصدر منه قط مضادة له، إلا أنه كان يكره بعض قوانين الكنيسة، ككنز الأموال والذخائر في الكنائس وعدم إنفاقها في مصلحة الشعب، والتفرقة في مناهج التربية والتعليم. وكان ذلك كافيا لإيقاد نار العداوة والبغضاء في قلوب رجال الكنيسة الكاثوليكية وأتباعهم. ولو ذهبنا نورد البراهين على تمسك الأوروبيين بدينهم، بل يبالغ في ذلك بعضهم إلى حد التعصب الممقوت، لطال بنا القول. فما بال هذا التمسك لم يضر الأوربيين شيئا، ولم يجعلهم متأخرين، واقتصر ضرره فقط على أهل الشرق العربي، مع تهاونهم للدين. الم يجد «رني الحبشي» الأعجمي الاسم، ولعله أعجمي المسمى أيضا، لم يجد ما ينصح به العرب إلا أن يحضهم على ترك الإيمان بالله والتهور بالسب والشتم للمقدسات بلا علم ولا هدى ولا كتاب منير. أرآهم كاملين في جميع العلوم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والخلقية، ولم ير فيهم نقصا إلا التمسك بالدين؟ أم هو أحد معاول الهدم والتخريب والفساد من المأجورين الذين يزيدون الخرق توسيعا، والطين بلة، أولئك عبيد أعداء العرب، بل عبيد الدينار والدرهم، ودعاة زيادة الفوضى والتفرق والشتات.

جمعني مجلس في بون، في السنة الماضية، مع الأستاذ الدكتور أندري، أستاذ علم الحياة في إحدى الجامعات الألمانية المتقاعد، فقمت مع شخص يرافقني، فصلينا المغرب والعشاء قصرا وجمعا، فمنذ قمنا للصلاة وقف، وبقي واقفا إلى أن أتممنا الصلاة، وهو في غاية التأثر والخشوع، فلما انصرفنا من الصلاة قال لي ما معناه بترجمة دقيقة (اعتراني خوف إجلال عند مشاهدة صلاتكما. ثم قال لي، إني لست قيسا، وما عرفت الله وآمنت به إيمانا كاملا راسخا إلا بدراستي لعلم الحيوان والنبات، ولا يزال هذا العالم حيا يرزق.

فأين «رني الحبشي» وسفسطته الباطلة من كلام العلماء المحققين.

إن الإيمان بالله وآياته الباهرة التي تدل على عظمته وعلمه وحكمته، لا يجتاز أي أزمة عند أهل العلم والإيمان، ولكن الشرق العربي هو الذي في أزمة شديدة لن يجتازها ولن يخرج منها ما دام فيه أمثال هذا الكاتب الذين يزيدونه خبالا بخدمتهم لأعدائه الطامعين وبلبلتهم لأفكار أهله بتعميدهم نشر الفوضى الفكرية والفساد وتضليل العقول. وإذا فتشت تجدهم ممن دسهم أعداء العرب في صفوف العرب ليوسوسوا في صدورهم ويمنعوهم من التفكير الجدي في إصلاح التربية في بلادهم، وما أكثر هؤلاء المفسدين في بلاد العرب، فقد شقيت بهم البلاد وأهلها، فلسان حالها ينشد:

زعم العواذل أنني في غمرة***صدقوا ولكن غمرتي لا تنجلي

والغريزة لم تسيطر على أهل العلم والإيمان بالله وآياته، وإنما سيطرت على الدجاجلة المفسدين، فهم كالمكاريب تتبع الأمراض وتفتك بالجسم المريض حتى يجيء الطبيب بالدواء فيقضي عليها. فما هي الظواهر الطبيعية التي شرحها العلم وأنكرها الإيمان، اذكر لنا واحدة منها إن كنت صادقا.؟ فهل قال الإيمان إن الشمس تطلع من المشرق، فجاء العلم المزعوم ووجد أنها تطلع من المغرب، أم قال الإيمان إن الموت حتم على الإنسان والحيوان، فجاء العلم المزعوم فمحا الموت وأثبت الخلود؟ أم قال الإيمان : إن الحيوان لا بد له من الغذاء ومثله النبات، فجاء العلم المزعوم فأثبت أن الحيوان والنبات يعيشان بلا غذاء.

يقولون أقوالا ولا يعلمونها***إذا قيـل هاتوا حققوا لم يحققوا

ونحن نتحدى هذا الكاتب أن يذكر لنا مثالا واحدا يؤيد به ما ادعاه حتى نرد عليه بالتفصيل ونلقمه الأحجار. أما الدعاوي الفارغة المجملة المبهمة، فهي شأن المهوشين، ولا تضر أهل العلم والإيمان، كما لا تنفع أعداء العرب والإسلام. وقد مضت عشرات السنين على هذا الشرق العربي، والمهوشون والمأجورون المجهولون يروجون أمثال هذا الهراء فلم يستطيعوا أن ينقضوا حقا ولا أن يثبتوا باطلا.

كناطـح صخرة يوما ليوهنها***فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل

يفيك الجنادل([2])، أن الله ليس بفكرة يفترضها مفترض، بل هو خالق السموات والأرض، فكل ما بدا فيهما فهو بعلمه وحكمته، وهو الذي خلقه وأوجده وأتقن صنعه. وكذلك العقول التي انكشف بها ذلك السر هو خالقها ومدبرها (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (36).)

 

                            



[1]  -كذا من الأصل !

[2] - كذا في الأصل و لم أتبين معناها !

طباعة


روابط ذات صلة

  تعليق على الكلمة الطيبة التي تفضل بها صاحب الفضيلة الشيخ/ محمد ناصر الدين الألباني  
  تعليق على الكلمة الطيبة التي تفضل بها صاحب الفضيلة الشيخ/ محمد ناصر الدين الألباني  
  إنصاف من الشيخ عبد العزيز بن باز للعلامة الألباني - رحمهما الله -  
  فقهاء التيسير" افعل ولا حرج " بل افعل كي يقع الحرج !!  
  اغلقوا مكبرات الصوت في الصلاة الجهرية!!  
  نريد وسطية السلف لا وسطية غيرهم  
  في رد شبهة قبوري بآية: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا﴾ [الكهف: 21]  
  الأجوبة المنهجية على الأسئلة السلفية الليبية  
  الليبرالية وأنواعها وذكر رؤوسها ومجمل أفكارها وانتقادها وفتاوى العلماء فيها  
  ما معنى السلفية  وإلى من تنسب ؟  
  لزوم إلتزام المسلم بأحكام الشريعة الإسلامية  
  بيان فضيلة صلاة الجماعة  
  لا لهذه الرحلات  
  فتوى هيئة كبار العلماء في الخميني  
  أقوال أئمة السلف في الرافضة  
  من هم الإرهابيون ؟ أَهُم السَّلفيون ؟! أم الروافـض ؟  
  من هم الإرهابيون ؟ أَهُم السَّلفيون ؟! أم الروافـض ؟ تتمة المقالة  
  مـن وحي السنَّـــة  
  تراجعات الشيخ الألباني في بعض أحكامه الحديثية  
  بدعة الإحتفال بالمولد النبوي  
  العلامة الشيخ تقي الدين الهلالي يصف حال أفغانستان قبل ثمانين سنة !  
  جواب صريح  
  حكم إقامة الزردة والوعدة  
  عيد رأس السنة الميلادية(؟!!)  
  قصيدة أَفَغَيْرَ السَّلَفِيَّةِ يَبْغُونَ ؟!  
  مناظرة في حكم الاحتفال بالمولد النبوي  
  القنـوات الفضـائـيـة... شرور وسمـــوم  
  حواربين الشيخ الألباني والشيخ العباد حول صيام يوم السبت  
  معنى دعوة الحق  
   دواء الشاكين وقامع المشككين - 1 -  
  دواء الشاكين و قامع المشككين - 2 -  
  دواء الشاكين وقامع المشككين - 3 -  
   دواء الشاكين وقامع المشككين - 4 -  
  تقويم اللسانين - 1 -  
  تقويم اللسانين -2 -  


 

 

القائمة الرئيسية

قسم المقروءات

قسم الصوتيـات

خدمــــات الموقع

عدد الزوار

انت الزائر : 138419

تفاصيل المتواجدين

Powered by: mktba 4.6

Powered by MKTBA & developed by AKSSA