الحمد لله، أيها الفاضل السائل عن نشأتي وتطوراتي أصلح الله حالي وحالك، وبرر قالي وقالك : إن جدي سيدي عبد العزيز بن الصديقي كانت له ربيبة وكان يحبها كبناته الكثيرات، ورغب من أولاده وأولاد أخيه أن يتزوجوا بها، فأبو عليها، فعرضها على والدي أخيرا وقال له: تزوجها ولك أرض أريري وهي مزرعة لنا نحلة وقال: اخترت النحلة لأنها لا تحتاج إلى حوز فقال: تزوجتها ونحلتي رضاك، فقال له: الأرض والرضى نحله لك، وستلد لك ما أذكر به أنا وأنت فتزوجها فولدت له أولاد قبلي، ثم حملت بي بعد موت الجد المذكور، فرغب أعمامي أبي أن يتزوج عليها فساعدهم، ولكن في ليلة دخوله رأى في منامه أحد أعمامي المسمى أبا شعيب، وكان علامة وأستاذا، أهداه صينية حمراء فيها كؤوس من الزجاج وكأس من الذهب، وصينية أخرى من فضة، فقال له: ما هذا الرمز؟ فأجابه : الصينية الحمراء هي الزوجة الأولى، والكؤوس أولادها، وكأس الذهب منها هو المولود الذي سيولد لك فسمه بإسمي، وأما الصينية الفضية، فهي بنت عمنا ولا تلد لك. ولما استيقظ وجدني ولدت في تلك الليلة فسماني: أبا شعيب، والرؤيا تسر ولا تضر، وفرح بي كثيرا، وفعلا ولدت أمي عددَ الكؤوس ولم تلد بنت عمه. وكانت ولادتي يوم الخميس الخامس والعشرين من ذي القعدة عام خمسة وتسعين ومائتين وألف 1295 (20 أكتوبر سنة 1878م).
ولما وصلت إلى سن التعلم أخذ لي فقيها بخصوصي وكان يقول له: إنه دعوة والدي ومصداق رؤياي، فحفظت القرآن إلا خمسة أجزاء قبل أن يموت.
وتوفي رحمه الله عام (1300) (1883) فكفلني عمي سيدي محمد ثم حفظت القراءات السبع عن شيخي المذكور وهو السيد محمد بن المعاشي وهو معلم أولادي من بعدي، ومات ونحن بالرباط قبل ثلاثة أعوام، ثم أخدت العلم عن علماء جل منهم عمي سيدي محمد بن عبد العزيز الصديقي الدي كان كفلني بعدموت والدي وعن ولد عم أبي سيدي عبد الرحمان ابن الفقيه الصديقي، وعن ولد عمي سيدي محمد بن عزوز، وعن ولد عمي سيدي الطاهر قاضي مراكش أخيرا، وكلهم كانوا من أهل العلم والخير والمروءة.
كما أخذت عن الفقيه السيد الطاهر بن قدور الغربي الدكالي، وان عائلتنا (أسرتنا) تأبى أن تدعي نسبا وربما ضربوا صغارهم على ادعائه، وجلهم يحفظ الحكم العطائية.
ولما كانت سنة ثمان وثلاثمائة وألف (1308) (1883) دعا السلطان مولاي (الحسن الأول) من يحفظ مختصر خليل لأجل الاختبار فحضرت كغيري لمراكش، واختبر الجميع فوجدت أحفظهم بين يدي الفقيه الوزير المرحوم ا لسيد علي المسفيوي، ثم قال: هل تحفظ القرآن؟ فقلت نعم بالروايات السبع، فأحضر من يعرفها وأمرني
بالقراءة فقرأت ( بسم الله الرحمان الرحيم علم القرآن) بالقراءات، فظن الوزير المذكور أنني عينت ذلك، وبعد اطلاع علم السلطان مولاي الحسن على ذلك، أمر بإدخالي عليه، فدخلت فقال لي: أعرب (الرمان حلو حامض) فأعربت المثل. فقال لي: أنت فقيه و لست بنحوي، فقلت: أنا أعلم بالنحو مني بالفقه، ولكنه بمنزلة قول الشاعر:
يداك يد في الورى خيرها وأخرى لأعدائها غائظة
فتعنت على بعض الحاضرين وقال: زد إيضاحا لسيدنا فقلت وقصدته: هو بمنزلة ( والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات) فضحك السلطان كثيرا، وأمر لي بصلتين وكسوتين، ولا يزال توقيعه بهما عندنا ونصه: يضاعف لأبي شعيب لصغر سنه، وكبر فنه، ثم بعد هذا كله رحلت إلى الريف في خبر طويل ثم إلى مصر عام أربعة عشر وثلاثمائة وألف (1314) (1896م) فأخذت عن الشيخ البولاقي و علي الصالحي، والشيخ أحمد الرفاعي، والشيخ محمد الطيمومي، والشيخ البشري، والشيخ محمد بخيت، والشيخ دسوقي غربي، والشيخ محمد محمود الشنجيطي وآخرون كثيرون.
وأجازني الكثير كما جاورت بمكة شرفها الله من وفود أهل الله من اليمن و أهل الشام، وأهل العراق، وأهل الهند. |